أخبارأخبار عربيةسوريا

فيضان الفرات وإعلان “إمارة عربين” وتحذيرات الفقر.. أزمة الداخل السوري تتواصل

الجدل السياسي حول فيضان الفرات يعود.. وإعلان “إمارة عربين” وتحذيرات الفقر تعكس أزمة الداخل السوري

 

تشهد سوريا مرحلة متشابكة من الضغوط البيئية والسياسية والاقتصادية، في وقت أعاد فيه فتح بوابات سدود تركية على نهر الفرات ملف المياه الإقليمي إلى واجهة النقاش السياسي، بالتزامن مع جدل داخلي أثارته تصريحات حول إدارة محلية في ريف دمشق، وتحذيرات اقتصادية من اتساع الفقر والبطالة.

وتسلط هذه التطورات الضوء على تحديات متزامنة تواجهها البلاد على المستويات المعيشية والإدارية والإقليمية.

فتح سدود تركيا يعيد ملف الفرات والخلافات المائية إلى الواجهة السياسية… مشهد خلاب وبديع

أثار فتح بوابات سدّي كاراكايا وأتاتورك التركيين على نهر الفرات جدلاً واسعاً في سوريا والعراق، بعد ارتفاع منسوب المياه وتدفق كميات كبيرة باتجاه دول المصب، في خطوة أعادت النقاش حول إدارة الموارد المائية المشتركة بين أنقرة ودمشق وبغداد.

وقال محمد عاكف بالاتا، المدير العام لهيئة المياه الحكومية التركية التابعة لوزارة الزراعة والغابات، إن عمليات التصريف تتم “بطريقة محكمة” عبر أنظمة المفيض لضمان سلامة السدود بعد وصول خزانات المياه إلى مستوياتها التشغيلية القصوى نتيجة الأمطار الغزيرة.

وتحدثت وسائل إعلام تركية عن فتح ست بوابات في سد كاراكايا للمرة الأولى منذ سبع سنوات، فيما وصفت قناة “تي آر تي” مشاهد تدفق المياه من السد بأنها “مشهد خلاب وبديع”، في وقت تركز فيه الجدل داخل سوريا والعراق على التداعيات السياسية والبيئية لتلك الخطوة.

ويعد سد أتاتورك، المقام ضمن مشروع “جنوب شرق الأناضول” التركي، من أكبر السدود في العالم من حيث السدود الترابية، ويشكل مع سد كاراكايا جزءاً رئيسياً من منظومة التحكم بتدفقات نهر الفرات نحو الأراضي السورية والعراقية.

جدل حول التنسيق المسبق وعودة ملف الحصص المائية

ورغم تأكيد الجانب التركي أن عمليات التصريف تهدف إلى تخفيف الضغط على السدود ومنع مخاطر الفيضانات داخل تركيا، فإن تقارير ومتابعين أشاروا إلى غياب أي إعلان رسمي واضح بشأن التنسيق المسبق مع سوريا والعراق قبل زيادة التدفقات المائية.

وأعادت التطورات الأخيرة ملف الحصص المائية بين دول المنبع والمصب إلى الواجهة، خصوصاً مع استمرار الخلافات المرتبطة بتوزيع مياه نهري دجلة والفرات منذ سنوات.

كما عاد الحديث عن اتفاقية عام 1987 بين سوريا وتركيا، والتي تنص على حدودة محددة من تدفقات مياه الفرات باتجاه الأراضي السورية، وسط نقاش متجدد حول آليات إدارة النهر والتعامل مع فترات الجفاف أو الفيضانات.

ويرى مراقبون أن التحكم بمستويات تدفق الفرات يمنح تركيا تأثيراً مباشراً على ملفات الزراعة والطاقة والمياه في سوريا والعراق، ما يجعل ملف السدود والمياه جزءاً من التوازنات الإقليمية في المنطقة.

دمشق تتعامل مع تداعيات الفيضانات بإجراءات احترازية

في المقابل، أعلنت السلطات السورية اتخاذ إجراءات احترازية بعد ارتفاع منسوب مياه نهر الفرات، حيث قال وزير الطاقة محمد البشير إن تدفق المياه ارتفع إلى نحو 1800 متر مكعب في الثانية، ما دفع الجهات المعنية إلى فتح بوابات إضافية في سد الفرات لتخفيف الضغط المائي.

وأضاف أن الوزارات والجهات المختصة نسقت مع المحافظات وفرق الطوارئ لاتخاذ تدابير عاجلة للتعامل مع ارتفاع المياه، مع توجيه تحذيرات للسكان بعدم الاقتراب من مجرى النهر.

وتزامنت هذه التطورات مع تصاعد المخاوف من تأثير ارتفاع منسوب الفرات على الأراضي الزراعية والبنية التحتية في المناطق الواقعة على ضفتي النهر داخل سوريا.

أزمة الداخل السوري: تصريحات وزير الطاقة - Syria's internal crisis: Statements by Energy Minister
وزارة الطاقة السورية

اتهامات لأنقرة بممارسة الابتزاز السياسي

ورأى محللين أن عواقب السلوك التركي بخصوص ضخ المياه المفاجئ نحو سوريا لم تكن خافية على أنقرة، التي خبرت التحكم بالنهر لسنوات طويلة وعرفت كيف يتسبب تدفقه الهائل بأضرار كبيرة في القطاع الزراعي الذي يشكل عصب الاقتصاد المحلي في المناطق المتضررة شمال شرقي سوريا، حيث غمرت المياه آلاف الهكتارات المزروعة بالمحاصيل الصيفية والقمح، مما تسبب في نزوح جديد للأهالي.

وأشار فنيون إلى أن أزمة الطوفان الحالية تأتي مناقضة لأزمة جفاف التي حدثت قبل أقل من عام، وكان العامل المشترك هو الدور التركي الذي قلص كميات المياه حين وجود شح، وأغرق الأراضي السورية حين أوشكت سدوده على الامتلاء.

وأوضح عاملون سابقون في سد الفرات أن انخفاض الوارد المائي في مايو 2025 إلى أقل من 200 متر مكعب في الثانية، أي أقل بكثير من الكمية المنصوص عليها في اتفاقية 1987 (500 متر مكعب في الثانية كحد أدنى)، تسبب بانقطاع شبه كلي للتيار الكهربائي وشح كبير في مياه الشرب وتراجع المساحات الزراعية بنسبة تجاوزت 37%.

وأضافوا أن انقلاب المشهد بهذا الشكل الحاد من ندرة المياه إلى طوفان يعكس حجم تمكن الأتراك من التحكم بمياه النهر وتحويل هذا الملف إلى أداة ضغط سياسي تستخدمها تركيا في وجه السوريين متى شاءت، مشيرين إلى أن هذا الملف كان تاريخياً يخلق نوعاً من “توازن الرعب” بين دمشق وبغداد من جهة وأنقرة من جهة أخر

وشهدت مناطق واسعة على امتداد نهر الفرات في شرق سوريا حالة استنفار متصاعدة، مع استمرار ارتفاع منسوب المياه في محافظتي دير الزور والرقة، وسط إجراءات طارئة تنفذها الجهات الرسمية والأهالي للحد من الأضرار وتأمين السكان والمنشآت الحيوية.

وتزامنت التطورات الميدانية مع تحذيرات متواصلة من مخاطر الفيضانات وتعطل البنية التحتية، في وقت تؤكد فيه الجهات الفنية أن السدود الرئيسية ما تزال ضمن الحدود الآمنة ولا تواجه مخاطر إنشائية حتى الآن.

أزمة الداخل السوري - Syria's internal crisis
وزارة الطاقة السورية

تصريحات “إمارة عربين” تثير جدلاً حول الإدارة المحلية

بالتوازي مع التطورات المرتبطة بالفرات، أثارت تصريحات متداولة للشيخ أبو خالد، الذي قدم نفسه بصفة “أمير منطقة عربين”، جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي بعد حديثه عن إدارة دينية خاصة بالمنطقة وأولوية “تطبيق الشريعة” بدلاً من القوانين والدستور.

وتداول ناشطون ومستخدمون مقاطع وتصريحات منسوبة إليه تتحدث عن انفصال إداري للمنطقة عن دمشق، ما أثار تساؤلات حول طبيعة هذه التصريحات ومدى وجود أي غطاء رسمي أو فعلي لها على الأرض.

ولم تصدر حتى الآن توضيحات رسمية بشأن التصريحات المتداولة، بينما اعتبر متابعون أن الحديث عن تجاوز مؤسسات الدولة أو طرح إدارات منفصلة يعكس حجم الجدل القائم حول شكل الإدارة المحلية والمرجعيات القانونية خلال المرحلة الحالية.

تحذيرات اقتصادية من اتساع الفقر والبطالة

اقتصادياً، حذر الخبير الاقتصادي ورئيس هيئة تخطيط الدولة السابق الدكتور تيسير رداوي من استمرار تدهور أوضاع القطاع العام، معتبراً أن إصلاحه أصبح ضرورة مرتبطة بالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

وقال رداوي إن نحو 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، فيما يعاني حوالي نصف العاملين في القطاع العام من بطالة مقنعة أو فعلية، مشيراً إلى أن الأزمة الاقتصادية الحالية تتطلب إصلاحات هيكلية تتجاوز الحلول المؤقتة.

وأوضح أن الإصلاح، وفق رؤيته، يجب أن يقوم على تطوير المؤسسات العامة وتحويلها إلى شركات مساهمة تعتمد الحوكمة والشفافية، مع الحفاظ على الملكية الوطنية وإشراك القطاع الخاص ضمن ضوابط اقتصادية واجتماعية.

وأضاف أن تحسين الواقع الاقتصادي يتطلب إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وخلق بيئة أكثر استقراراً للإنتاج والاستثمار والخدمات الأساسية، بعيداً عن الخصخصة العشوائية التي تعتمدها الحكومة الانتقالية.

أزمة الداخل السوري - Syria internal crisis
محافظة دير الزور

تحديات متزامنة تضغط على المشهد السوري

وتعكس التطورات الأخيرة حجم المزيد من التحديات المتداخلة التي تواجهها سوريا، بين عودة ملف الفرات والخلافات المائية الإقليمية، والجدل المرتبط بالإدارة المحلية، إضافة إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة.

ومع استمرار النقاش حول إدارة المياه والتوازنات الإقليمية، إلى جانب التحديات الدمشهد اخلية المعيشية والأمنية، يترقب الشارع السوري أي خطوات عملية قد تسهم في تخفيف الضغوط وتحسين الاستقرار والخدمات خلال المرحلة المقبلة.


اقرأ أيضاً:

سوريا بعد الانضمام للتحالف الدولي.. انفتاح أوروبي، تحديات أمنية وتعاون مع الإمارات

قيم هذا المقال | Rate this post

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى