حرائق المتوسط تكشف أزمة المناخ العالمية.. نصف قرن من تحذيرات العلماء وصراع المصالح بين البيئة والصناعة

أزمة المناخ وحرائق المتوسط: إسبانيا تعلن الطوارئ وتطلب دعماً أوروبياً، وفرنسا وإيطاليا تسجلان خسائر بشرية، مع إعادة التحذيرات العلمية وصراع المصالح بين البيئة والصناعة يعود إلى الواجهة
تتسع رقعة حرائق الغابات في دول جنوب أوروبا وشمال أفريقيا مع استمرار موجة حر قياسية ورياح قوية، في وقت أعلنت فيه السلطات الإسبانية أن السيطرة على الحريق الأكبر قرب مدريد أصبحت غير ممكنة حالياً.
بينما لجأت حكومات أوروبية إلى الإجلاء وطلب المساعدة الدولية، وسط تحذيرات من دخول منطقة المتوسط مرحلة جديدة من الحرائق واسعة النطاق، مع عودة النقاش المستمر حول كيفية الموازنة بين التحذيرات العلمية والاعتبارات الاقتصادية المرتبطة بالوقود الأحفوري إلى الواجهة.”
موجة حر قياسية.. توسع الحرائق في فرنسا وإيطاليا، ومدريد تعلن أن السيطرة على الحريق غير ممكنة
أكدت السلطات الإسبانية أن حريق مدريد بلغ ذروته، وأن ظروف الطقس الحالية تجعل احتواءه بالغ الصعوبة، بينما ترأس رئيس الوزراء اجتماعاً طارئاً لتنسيق عمليات الاستجابة الميدانية مع امتداد ألسنة النيران إلى مساحات واسعة.
وأعلنت وزارة الداخلية الإسبانية حالة الطوارئ وأجلت نحو 20 ألف شخص من إقليم مدريد ومقاطعة أفيلا شمال غربي البلاد، كما أجلت فرق الدفاع المدني نحو 1500 شخص من منطقة أفيلا وحدها نتيجة سرعة اتساع رقعة الحريق.
وفي السياق ذاته، طلبت الحكومة الإسبانية المساعدة عبر آليات الحماية المدنية التابعة للاتحاد الأوروبي لدعم مئات أطقم الإطفاء ووحدات الطوارئ العسكرية، مع تأكيد عمدة تشابينيريا، لوسيا مويا، أن النيران أصبحت على بعد 3 كيلومترات فقط من المناطق السكنية في نافاس ديل ري.
فرنسا وإيطاليا تواجهان خسائر بشرية ومادية واسعة
شهدت فرنسا أعتى حريق منذ بداية الموسم في منطقة كاب فيريه الساحلية، حيث التهمت النيران نحو 10 آلاف هكتار من الأراضي والحرش، مما دفع السلطات إلى إخلاء شبه الجزيرة بالكامل ونقل أكثر من 35 ألف شخص براً وبحراً.
وأعلن وزير الداخلية الفرنسي تضرر نحو 80 منزلاً جراء الحريق، بينما أوضح محافظ مقاطعة لاند، جيل كالافريول، أن حريقاً آخر التهم في ساعاته الأولى 2600 هكتار، مع إخلاء 18 ألف شخص في بلدية بيسكاروس.
وفي حصيلة الخسائر البشرية، لقي اثنان من رجال الإطفاء مصرعهما في فرنسا، فيما توفي رجل إطفاء في إيطاليا خلال عمليات مكافحة الحرائق التي أتلفت آلاف الهكتارات في جزيرة صقلية وإقليم كالابريا.

تحذيرات علمية: الحرائق تهدد الأمن القومي وتتطلب تعاوناً دولياً
أكد الخبير في شؤون البيئة والمناخ والمستشار الحكومي البريطاني السابق، توم بيرك، أن الكوارث الحالية نتيجة متوقعة للتغير المناخي، مشيراً إلى أن علماء المناخ حذروا منذ أكثر من 30 عاماً من هذا السيناريو.
وأوضح بيرك أن استحالة إخماد هذه الحرائق تعود إلى الجفاف الحاد، والحركة النشطة للرياح التي تنقل الجمر بين الأشجار، إلى جانب نقص المياه ومعدات الإطفاء الميدانية، محذراً من أن الحل الجذري يتطلب التوقف الفوري عن استخدام الفحم والوقود الأحفوري.
وشدد على أن وصف الحرائق بـ “تهديد للأمن القومي” هو توصيف واقعي ودقيق، بسبب تأثر دول جنوب أوروبا وشمال أفريقيا وحوض المتوسط بالتداعي المناخي نفسه، مما يتطلب تعاوناً دولياً لحماية الممتلكات والسكان.
وتعيد الحرائق الحالية إلى الواجهة النقاش المستمر منذ عقود بين العلماء الذين يحذرون من تسارع التغير المناخي، والجهات المعنية بصناعة الطاقة التي تركز على التحديات الاقتصادية للتحول بعيداً عن الوقود الأحفوري.
ويؤكد خبراء أن الآثار البيئية والاقتصادية المترتبة على تباطؤ الجهود الدولية باتت ملموسة في مدن وقرى جنوب أوروبا وشمال أفريقيا.
نصف قرن من التحذيرات العلمية وصراع المصالح السياسية
منذ قمة ستوكهولم 1972 إلى انسحابات ترامب المتكررة، يظل ملف المناخ محور نقاش مستمر بين التحذيرات العلمية والاعتبارات الاقتصادية والسياسية، مع عودة الحرائق الحالية لتذكير العالم بالثمن المتزايد لتباطؤ الجهود الدولية.
تحذيرات ناسا ومحاولات تعديل البيانات في الثمانينيات.. والجدل حول الحلول
في يونيو 1972، حذرت رئيسة وزراء الهند إنديرا غاندي في أول قمة للأرض من أن الأزمة البيئية “ستغير مصير كوكبنا بشكل عميق”، لكن التحذيرات واجهت صعوبات في الترجمة إلى سياسات ملزمة، وسط اعتبارات اقتصادية وسياسية متعددة.
وفي سبعينيات القرن الماضي، بدأ عالم الفيزياء الفلكية في وكالة ناسا، جيمس هانسن، بدراسة كوكب الزهرة، وطرح سؤالاً: ماذا لو تراكم ثاني أكسيد الكربون في غلافنا الجوي لدرجة تحول الأرض إلى زهرة أخرى؟
وأظهرت المحاكاة الحاسوبية آنذاك أن حرارة الأرض سترتفع بـ3 درجات مئوية، مما يعني ذوبان الجليد وابتلاع السواحل. وكان التخلي عن الوقود الأحفوري يمثل الحل العلمي، لكن الاعتماد عليه استمر لأسباب اقتصادية وسياسية.
في صيف 1988، ضربت الولايات المتحدة موجة جفاف غير مسبوقة، واستدعى مجلس الشيوخ العالم جيمس هانسن للإدلاء بشهادته. وهناك، كشف هانسن أن الاحترار العالمي قد بدأ بالفعل بفعل نشاط البشر، وأشار إلى أن إدارته تلقت طلبات لتعديل بعض البيانات في شهادته قبل تقديمها، وهو ما نفاه البيت الأبيض آنذاك.

عقود من الجدل: شركات النفط ودورها في السياسات البيئية
أثارت شهادة هانسن ردود فعل واسعة من شركات النفط الكبرى ومنظمات مثل “معهد كاتو”، التي شككت في خطورة التغير المناخي وركزت على التكلفة الاقتصادية للتحول الطاقي، وهو موقف تدعمه دراسات اقتصادية مختلفة.
ولم تكن إستراتيجية هذه الجهات إنكار العلم تماماً، بل إثارة الشكوك حول خطورته والتأكيد على التكلفة الاقتصادية الباهظة للتخلي عن الفحم والنفط، في وقت رأى فيه آخرون أن هذه التكلفة يجب أن توازن مع المخاطر البيئية.
ونجحت هذه الحملات في التأثير على مسار السياسات البيئية، وتجلى ذلك في استصدار قرار “بيرد-هاغل” في الكونغرس الأمريكي، والذي منع واشنطن من الانضمام لاتفاقية “كيوتو” عام 1997، بحجة حماية الصناعة الأمريكية، مع إلقاء اللوم على الصين في عدم خفض الانبعاثات.
الكوارث تضرب وشركات التأمين تحذر.. جاك شيراك: “بيتنا يحترق”
مع دخول الألفية الجديدة، بدا أن الوعي الشعبي يتصاعد، لكن أحداثاً عالمية كبرى، وفي مقدمتها الأمن القومي بعد 11 سبتمبر، طغت على ملف المناخ.
وفي غمرة هذا التباطؤ، سُجلت أكثر من 7500 كارثة طبيعية بين عامي 2001 و2010.
في بنغلاديش، هددت المياه بابتلاع جزيرة “بولا”، لتُجبر 500 ألف شخص على الفرار، مدشنين الموجة الأولى مما يُعرف اليوم بـ “لاجئي المناخ”.
ووقف العالم أمام مشهد وصفه الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك حين قال: “بيتنا يحترق ونحن ننظر إلى مكان آخر”.
وفي الوقت نفسه، أدرك قطاع التأمين أن تكلفة التغير المناخي قد تصل إلى تريليون دولار سنوياً بحلول 2040، وأعلنت شركات التأمين أنها قد لا تقوى على تغطية هذه الانهيارات، موجهة رسالة إلى الحكومات حول الحاجة إلى تحرك أسرع.
ودفع هذا القلق الاقتصادي قادة العالم إلى عقد قمة “كوبنهاغن” عام 2009، التي شهدت مفاوضات بين القوى الكبرى والدول النامية، وانتهت باتفاق غير ملزم لم يحقق التطلعات التي كانت معلقة عليه.

اتفاق باريس 2015: اتفاق تاريخي ثم عودة التأرجح السياسي
بعد اتفاق كوبنهاغن غير الملزم، بدأت مرحلة جديدة من الإعداد لقمة باريس عام 2015. فخلال أسبوعين من المفاوضات التي شملت الدول الأعضاء، أسهمت دبلوماسية مكثفة بين الولايات المتحدة والصين في تجاوز الخلافات، وأسفرت المفاوضات عن اتفاق باريس، الذي ينص على التزام الدول بخفض الانبعاثات والعمل على إبقاء الاحترار دون 1.5 درجة مئوية.
وترافق هذا الاتفاق مع صحوة مجتمعية قادتها الأجيال الشابة، مثل الفتاة السويدية غريتا ثونبرغ، التي أطلقت إضرابات مدرسية، بالتزامن مع تحول تقني جعل الطاقة المتجددة أكثر تنافسية مع الوقود الأحفوري.
وشهد ملف المناخ تقلبات في السياسة الأمريكية. ففي عام 2017، أعلن الرئيس دونالد ترامب انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق باريس، قبل أن يعيد الرئيس جو بايدن الانضمام إليه في 2021 مع تبني أهداف بيئية جديدة.
وفي يناير 2025، ومع بدء ولاية ترامب الثانية، أعلنت الإدارة الأمريكية مرة أخرى الانسحاب من الاتفاق، مع تحول في الأولويات نحو تعزيز إنتاج النفط والغاز محلياً.
اقرأ أيضاً:
حرائق الغابات تلتهم آلاف الهكتارات في إسبانيا وفرنسا وتونس والجزائر وسط موجة حر قياسية








