الشباب في فكر سعاده: القوة التي تصنع المستقبل | د. ادمون ملحم


إذا كان لكل نهضة رجالها، فإن لكل نهضة أيضاً فئة اجتماعية تحمل بذور المستقبل وتملك القدرة على تحويل الأفكار إلى واقع. وفي فكر أنطون سعاده، كانت هذه الفئة هي الشباب والطلبة.
لم يكن اهتمام سعاده بالشباب أمراً عارضاً أو مجرد محاولة لاستقطاب فئة عمرية معينة، بل كان جزءاً أصيلاً من نظرته إلى عملية النهضة نفسها. فالنهضة، في مفهومه، ليست مجرد برنامج سياسي أو مشروع إصلاحي محدود، بل عملية تغيير عميقة تمسّ العقل والنفس والمجتمع. ومن الطبيعي أن يكون الشباب، بما يمثلونه من حيوية واستعداد للتجدد، في طليعة القوى القادرة على حمل هذا التغيير.
منذ البدايات الأولى لعمله القومي، اتجه سعاده إلى البيئة الطلابية، ولا سيما في الجامعة الأميركية في بيروت، حيث وجد جيلاً يبحث عن أجوبة لأسئلة كبرى تتعلق بالهوية والمصير ومستقبل البلاد. وفي وقت كانت فيه الحياة السياسية غارقة في الانقسامات الطائفية والمصالح المحلية الضيقة، رأى في الشباب إمكانية الخروج من أسر الواقع القائم نحو أفق جديد.
لم ينظر سعاده إلى الطلبة بوصفهم مجرد مؤيدين أو أعضاء محتملين في حركة سياسية ناشئة، بل نظر إليهم باعتبارهم مشروع إنسان جديد. ولذلك لم يكتفِ بخطاب التعبئة أو الحماسة، بل حرص على تكوينهم فكرياً وثقافياً، فجمع حوله عدداً من الطلاب الجامعيين في الندوة الثقافية المركزية التي أسسها سنة 1937، وجعل منها إطاراً للحوار والتثقيف وتعميق الوعي.
هذا الاهتمام يكشف جانباً مهماً من شخصيته الفكرية. فهو لم يكن يبحث عن الأتباع بقدر ما كان يبحث عن أصحاب القناعة الواعية. وكان يدرك أن النهضات التي تقوم على الانفعال العابر سرعان ما تتراجع، بينما النهضات التي تقوم على الوعي والمعرفة تمتلك القدرة على الاستمرار والتطور.
وفي خطبه ومقالاته، تتكرر الإشارة إلى الشباب بوصفهم «النفوس الجديدة» القادرة على التحرر من أثقال الماضي. فالأجيال الجديدة، في نظره، ليست أسيرة العادات والتقاليد بالقدر الذي تكون عليه الأجيال الأكبر سناً. وهي أكثر استعداداً لإعادة النظر في المسلمات، وأكثر قدرة على تبني الأفكار الجديدة إذا اقتنعت بصحتها.
غير أن سعاده لم يقع في تمجيد الشباب لمجرد كونهم شباباً. فهو لم يعتبر العمر بحد ذاته فضيلة، ولم يربط المستقبل بالحيوية الجسدية وحدها. بل كان يرى أن قيمة الشباب تكمن في قدرتهم على اكتساب الوعي وتحمل المسؤولية. ولذلك نجده يربط دائماً بين الشباب والمعرفة، وبين الحماسة والانضباط، وبين الإرادة والفهم.
وفي هذا السياق، كان يعتبر أن الخطر الأكبر لا يكمن في ضعف الإمكانات المادية، بل في ضياع البوصلة الفكرية. فالشباب الذين يفتقرون إلى الوعي قد يتحولون إلى قوة مهدورة أو إلى أداة في مشاريع لا تخدم مجتمعهم. أما الشباب الذين يمتلكون فهماً واضحاً لقضيتهم ولموقعهم في الحياة، فإنهم يصبحون قوة تاريخية قادرة على إحداث التحول.
ومن هنا يمكن فهم المكانة الخاصة التي احتلها الطلبة في نشاطه وخطابه. فقد رأى فيهم النواة التي يمكن أن تنقل الفكر النهضوي إلى المجتمع الأوسع، وأن تساهم في بناء جيل جديد لا يكتفي بانتقاد الواقع، بل يعمل على تغييره.
لقد كان سعاده يدرك أن الأمم لا تتجدد تلقائياً، وأن المستقبل لا يولد من تلقاء نفسه، بل تصنعه أجيال تؤمن بقضية أكبر من مصالحها الفردية. ولهذا السبب لم يتوجه إلى الشباب بوصفهم أبناء الحاضر فقط، بل بوصفهم صانعي الغد.
ولعل هذه النظرة هي التي أعطت لموقفه من الشباب بعداً يتجاوز ظروف عصره. فما زالت الأمم، في كل زمان، تحتاج إلى أجيال جديدة تمتلك الجرأة على التفكير، والقدرة على النقد، والاستعداد لتحمل المسؤولية. وما زالت النهضات الحقيقية تبدأ عندما يتحول الشباب من متلقين للأحداث إلى مشاركين في صنعها.
وفي فكر سعاده، كان هذا التحول هو نقطة البداية. فمن الشباب يبدأ التغيير، ومن وعيهم تتكوّن الإرادة، ومن إرادتهم يولد المستقبل.
اقرأ أيضًأ:
- بين العقل والإلهام – لغة سعاده في مخاطبة الطلبة
- الطلبة في فكر سعاده – البدايات والرهان
- الأوّل من آذار: حين يزهر الربيع في روح الأمّة
- د. ادمون ملحم – العطاء في القومية الاجتماعية: الفضيلة التي تبني الأمة







