تحليل السياسة العالمية

إعادة تموضع واشنطن في النظام الدولي وتداعياته الجيوسياسية

إعادة تموضع واشنطن: انسحاب من 66 اتفاقية يعيد طرح مستقبل الدور الأمريكي عالمياً

في تطور بارز للسياسة الخارجية الأمريكية، أعلنت إدارة الرئيس دونالد ترامب عن سلسلة من الانسحابات من 66 اتفاقية ومنظمة دولية.

ووفقاً لتقارير إعلامية عالمية وردت في رويترز وغيرها، فإن هذا التحرك، الذي يأتي ضمن شعار “أمريكا أولاً”، يضع السياسة الخارجية للولايات المتحدة في مرحلة تحول، يمتد فيها تأثير هذه القرارات عبر مجالات متعددة تشمل الحوكمة العالمية، والأمن الدولي، والاقتصاد، والنظام البيئي المشترك.


السياق التاريخي وطبيعة الانسحابات منذ بريتون وودز

تأتي هذه الانسحابات في سياق تاريخي أوسع يشمل تطور دور الولايات المتحدة في النظام الدولي منذ منتصف القرن العشرين. فعقب اتفاقية بريتون وودز عام 1944 والتي أسست نظاماً نقدياً عالمياً بمركزية الدولار الأمريكي، مروراً بقرار الرئيس ريتشارد نيكسون عام 1973 بإنهاء قابلية تحويل الدولار إلى ذهب، شهد النظام الدولي سلسلة من التحولات البنيوية.

تشمل قائمة المنظمات والاتفاقيات التي انسحبت منها الولايات المتحدة جهات فاعلة رئيسية في الحوكمة العالمية. من بينها اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC) التي انسحبت منها الولايات المتحدة رسمياً في عام 2019، ووكالة الطاقة المتجددة الدولية (IRENA)، وتحالف الطاقة الشمسية الدولي، ومجلس الخبراء الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ (IPCC). كما شملت الانسحابات أطراً تعاونية في مجال الأمن مثل منتدى مكافحة الإرهاب العالمي (GCTF) والشراكة من أجل التعاون عبر الأطلسي.

امتدت هذه الخطوة إلى مؤسسات تجارية وإنمائية مثل مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) ومنظمة الأغذية والزراعة (FAO)، وكذلك إلى منظمات ثقافية وتعليمية كـمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو). يوفر هذا النطاق الواسع مؤشراً على طبيعة التحول في نهج السياسة الخارجية الأمريكية تجاه المؤسسات متعددة الأطراف.

إعادة تموضع واشنطن: انسحاب أمريكي من عشرات الاتفاقات - Washington Repositioning as the U.S. Withdraws from Dozens of Agreements
Phinken, CC0, via Wikimedia Commons

فراغ جيوسياسي ودول مرشحة لملئه

أثارت هذه الانسحابات استجابات دبلوماسية وإعلامية ملحوظة من عدة عواصم عالمية. ووفقاً لتقارير منشورة في وسائل إعلام دولية، عبر عدد من القادة والمسؤولين الأوروبيين عن مخاوفهم العميقة بشأن آثار هذه الخطوات على الاستقرار الدولي. نقلت صحيفة الغارديان في 7 يناير 2026 تصريحات للرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير اعتبر فيها السياسة الأمريكية مهددة للاستقرار الدولي وتشجع على الفوضى.

وسلطت تحليلات في صحيفة لوموند الفرنسية الضوء على مخاوف أوروبية من أن يؤدي الانسحاب الأمريكي من أطر مثل الاتحاد الدولي للاتصالات إلى خلق فراغ استراتيجي في مؤسسات وضع المعايير التكنولوجية العالمية. وأشارت هذه التحليلات إلى احتمال أن يسمح هذا الفراغ لدول أخرى، أبرزها الصين وروسيا، بتعزيز نفوذها في صياغة القواعد والمعايير التي تحكم الفضاءات العالمية الحيوية مثل الاتصالات والأمن السيبراني.

في السياق الآسيوي، نقلت وكالة شينخوا الرسمية عن مصادر صينية تأكيدها على أهمية التعاون متعدد الأطراف وضرورة الحفاظ على الأطر الدولية القائمة لمواجهة التحديات العالمية المشتركة. وأشارت الوكالة إلى أن الصين تعتبر هذه الانسحابات تهديداً للتعاون الدولي في مجالات حيوية مثل مكافحة تغير المناخ والاستجابة للأوبئة.

تغير المناخ - Climate Change
U.S. Department of State from United States, Public domain, via Wikimedia Commons

التداعيات على الاقتصاد الأخضر والتنافسية التكنولوجية

من الناحية الاقتصادية، تناولت تقارير وتحليلات في وسائل إعلام اقتصادية رائدة الآثار المترتبة على هذه الخطوات. حيث سلطت تقارير في الفاينانشيال تايمز ونيويورك تايمز الضوء على المخاطر المحتملة للانسحاب من وكالات الطاقة النظيفة مثل IRENA وتحالف الطاقة الشمسية الدولي. وأشارت هذه التقارير إلى أن هذه الخطوة قد تؤثر سلباً على القدرة التنافسية للشركات الأمريكية في سوق الطاقة الخضراء العالمي سريع النمو.

من جهة أخرى، أشارت تحليلات إلى أن الصين تسيطر حالياً على نسبة كبيرة تصل إلى حوالي 80% من سوق تصنيع الألواح الشمسية والبطاريات العالمية، بينما يزداد دور الاتحاد الأوروبي في صياغة معايير هذه الأسواق من خلال مبادرات مثل الميثاق الأوروبي الأخضر. في هذا السياق، قد يؤدي التراجع الأمريكي عن المشاركة في هذه الأطر إلى إضعاف قدرة الشركات الأمريكية على التأثير في تطور هذه الأسواق الاستراتيجية.

على الصعيد الداخلي الأمريكي، أشارت تقارير في لوس أنجلوس تايمز إلى تحركات حكومات ولايات كبرى مثل كاليفورنيا ونيويورك وتكساس لإبرام اتفاقيات مناخية ثنائية مستقلة مع شركاء دوليين، في محاولة لتعويض الفراغ الناتج عن الانسحاب الأمريكي من الأطر الدولية للمناخ.

إعادة تموضع واشنطن - شركاء - Washington Repositioning – Partners
Gage Skidmore from Peoria, AZ, United States of America, CC BY-SA 2.0, via Wikimedia Commons

محددات جديدة للنظام المالي العالمي.. الدولار واليوان

إلى جانب التحولات الجيوسياسية، تشير التحليلات الاقتصادية إلى تداعيات محتملة على البنية المالية العالمية. فقد ناقشت تقارير في مجلة ذا إيكونوميست في يناير 2026 كيف أن تراجع المشاركة الأمريكية في أطر مثل مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) قد يُضعف تدريجياً من قدرة واشنطن على صياغة معايير التجارة الرقمية والضرائب الدولية، وهي أدوات حاسمة للحفاظ على مكانة الدولار الأمريكي كعملة احتياطي عالمية.

في المقابل، تُسرع دول في كتلة “بريكس+” من جهودها لتقليل الاعتماد على الدولار في التجارة البينية. وكما أشارت تقارير لو موند، فإن اليوان الصيني يبرز كأبرز مرشح للاستخدام كعملة بديلة في معاملات “جنوب – جنوب”، مدعوماً بثقل الاقتصاد الصيني واتساع شبكة مبادرة الحزام والطريق التي تضم أكثر من 150 دولة. وهذا لا يمثل تحولاً تقنياً فحسب، بل يشير إلى إعادة هيكلة أعمق للنفوذ الاقتصادي العالمي على المدى الطويل.

إعادة تموضع واشنطن - بريكس - Washington Repositioning – BRICS
Prime Minister’s Office (GODL-India), GODL-India, via Wikimedia Commons

التحول نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب

يشير العديد من المحللين الدوليين إلى أن هذه الانسحابات الأمريكية قد تسرع وتيرة التحول نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب أكثر تعقيداً وتنوعاً من النظام الذي ساد في العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية. في هذا الإطار، تبرز مجموعة بريكس+ التي تضم اقتصادات ناشئة كبيرة كإطار تعاون بديل. تشير تقديرات إلى أن اقتصادات هذه المجموعة تمثل مجتمعةً ما يقارب 40% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

وفقاً لتقارير وكالة شينخوا، تسعى الصين لتعزيز دورها كداعم رئيسي للتعاون متعدد الأطراف في مجالات مثل التغير المناخي والتجارة الدولية والتنمية المستدامة. في الوقت نفسه، تعمل روسيا على تعزيز مواقعها في أسواق الطاقة التقليدية، مستفيدةً من تحولات المشهد الجيوسياسي للطاقة عالمياً.


الآفاق المستقبلية والتحديات

تمثل سلسلة الانسحابات الأمريكية من المنظمات الدولية تحولاً استراتيجياً بارزاً في النهج الدبلوماسي لواشنطن تجاه النظام الدولي. بينما تؤكد الإدارة الأمريكية أن هذه الخطوات تهدف إلى حماية المصالح الوطنية والأولويات المحلية، تشير التحليلات الدولية إلى وجود تبعات محتملة على المشهد الجيوسياسي والاقتصادي العالمي.

يبرز التساؤل حول قدرة المؤسسات الدولية الحالية على الحفاظ على فعاليتها في معالجة التحديات العالمية المشتركة في غياب مشاركة كاملة من أحد أهم الفاعلين فيها تاريخياً. كما تطرح هذه التطورات أسئلة حول طبيعة النظام الدولي المستقبلي وآليات الحوكمة العالمية التي ستسود في العقود القادمة.


مواضيع ذات صلة:
بعد الانسحاب من عشرات المنظمات، ماركو روبيو يوضح موقف واشنطن


يندرج هذا التحليل ضمن تغطية “تحليل السياسة العالمية” التي يتابع من خلالها Profile News تحولات موازين القوى الدولية.

قيم هذا المقال | Rate this post

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى