أخبار عربيةثقافة
الاعتداء على التراث السوري متواصل: بين تمجيد الماضي والحنين إليه، ومواجهة تحديات الحاضر.. هنالك مهمة مطلوبة | فهد عربي
خاص بروفايل نيوز
كم أردنا ذاك الزمان بمدحٍ فشُغلنا بذمّ هذا الزمان
بهذين البيتين، عبّر الشاعر والفيلسوف أبو العلاء المعري عن مفارقة إنسانية شائعة: «التعلّق بالماضي مقروناً بعدم الرضى بالحاضر»، وغالباً دون تمعّن في الأسباب.
وكأن دور الإنسان يقتصر على لوم الوقائع التي يعيشها، وينشغل بذلك، فيذهب ليُضفي على الماضي هالة من المثالية، دون أن يترجم تمجيده لمثالية الماضي إلى أفعال في الحاضر، ليحفظ قيمه، أو يستحضرها كمرجعية في تغيير الواقع.
وقد يكون ذلك، كما قصده المعري، شكلاً من أشكال النفاق الثقافي، وربما أيضاًً هروباً نفسياً من صدمات الحاضر المتكررة، كتعبير عن الجانب الإنساني نفسياً – اجتماعياً، الذي يبحث عن إجابات لأسئلة معقدة، دون بحث، دون عمل، من موقع اللا مسؤولية، تجاه المجتمع، واللا مبالاة تجاه الوطن.
حادثة اليوم: تراثٌ يتلاشى أمام صدمات الواقع
يتجلّى التناقض المذكور أعلاه، بشكلٍ مؤلم في ما شهدته مدينة معرة النعمان شمالي سوريا، حيث تداولت وسائل إعلام محلية صوراً حديثة تُظهر ما تعرّض له ضريح الشاعر والفيلسوف أبي العلاء المعري للتخريب من قبل مجهولين، ليمثّل ذلك حلقة جديدة في سلسلة من الانتهاكات التي طالت رمزيته الفكرية منذ بدء النزاع في البلاد.
لم تكن الأولى
في عام 2013، استُهدف تمثال المعري ذاته، بعد إزالة رأسه وتشويه قاعدته، كما أُطلق عليه النار. وقبل ذلك، أفادت روايات محلية بأن عناصر مسلحة محسوبة على النظام السابق، قد قامت بانتهاك الضريح ونهب محتوياته.
ومنذ بدء النزاع حتى اليوم، لم تُعلن الحكومة السورية الساقطة والحالية، عن خطط كفيلة في الدفاع عن التراث الثقافي السوري، أو حمايته، فالتعدي على ضريح المعري، لم يكن الأول في التعدي على التراث الثقافي السوري.
لمحة عن المعري
وُلد أبو العلاء المعري عام 973 وتوفي عام 1057، ويُعد من أبرز مفكري العصر العباسي، تميز بشعره العميق وفكره النقدي وفلسفته الجدلية. ومن أبرز أعماله “رسالة الغفران”، التي يرى فيها بعض الباحثين تماثلاً في العمق والخيال مع “الكوميديا الإلهية” للشاعر الإيطالي دانتي.
المفارقة بين القول والفعل
وبالعودة إلى البيت الشعري، فإن المفارقة لا تكمن فقط في ذمّ الحاضر وتمجيد الماضي، بل أيضاً في تجاهل إرث ذلك الماضي حين يعود في الحاضر ماثلاً أمامنا، فالاعتداء على رموز ثقافية وفكرية مثل المعري لا يمثّل مجرد تخريب مادي، بل يُشير إلى قطيعة ثقافية وانفصال عن ذاكرة يُفترض أنها جزء من الهوية الجماعية.
دعوة للتساؤل
من يشتكي حاضره ويحنّ إلى مجدٍ ماضٍ، مدعو لأن يسأل نفسه: هل يكرّم هذا الماضي في أفعاله بالواقع العملي؟ هل يستفيد من إرثه وحضارته فعلياً، لتغيير الواقع نحو الأفضل؟ أم أن الحنين إلى الماضي، أصبح مجرد طقس، وليس إلا ردّ فعل نفسي مؤقت، يختبئ فيه الإنسان من واقع يصعب مواجهته، وليبرر وجوده، دون يخلق أفكاره كوقائع بالمعنى العملي؟
حقيقة تتجنبها الحكومات، والنخب الثقافية
الاعتداء على الرموز لا يُواجه بالحنين والشعارات، والتباكي على الماضي، بل بإحياء فكر الماضي المتوارث بعد دراسته بشكلٍ نقدي، قبل أن يترجم في الحاضر سلوكاً وموقفاً وفعلاً، في سبيل التغيير.
فيديو خاص لـ”اندبندنت عربية” | مجهولون يحطمون الضريح التاريخي للشاعر أبي العلاء المعري في سوريا#نكمن_في_التفاصيل pic.twitter.com/TvvC9O3xNl
— Independent عربية (@IndyArabia) April 3, 2025









