المقال الشهري

بين شبح الانفجار وخداع التهدئة الشرق الأوسط على فوهة بركان..

بقلم: ديانا البسط

الشرق الأوسط: صيف بلا حرب ولا سلام

الشرق الأوسط
خريطة تجريدية للشرق الأوسط تحت سماء رمادية، ترمز إلى حالة الهدوء المتوتر في صيف 2025"
profilenews

في الشرق الأوسط، لا تُقاس الفصول بدرجات الحرارة، بل بنبض المدن وهمس الحدود.
هذا الصيف  ليس موسمًا عابرًا، بل لحظة مكثّفة من الترقب الصامت، حيث تتوارى الطمأنينة خلف السُحب، وتغدو الأيام محطات انتظار ثقيلة، لا تطمئن فيها الأرواح، ولا تنام فيها المدن.

في هذا الجزء المعقّد من العالم، لا تُدوَّن الأحداث كما تقع، بل كما تُتَوقّع.
وحين تهدأ الجبهات، لا يعني ذلك أن السلام قد جاء، بل أن لحظة ما قبل التحوّل قد بدأت.
الناس هنا لا يطلبون معجزات، بل فقط حياة تشبه الحياة… بكرامة، بصمت، وبعين مفتوحة على السماء.

فعبر التاريخ، لم يكن الشرق الأوسط أرضًا ساكنة.

الشرق الأوسط -
خريطة تجريدية للشرق الأوسط تحت سماء رمادية، ترمز إلى حالة الهدوء المتوتر في صيف 2025"
profilenews

وفي هذا الصيف، تبدو الحركة مشبوهة في بطئها، كأن شيئًا كبيرًا يُعاد ترتيبه في الخفاء…
لا حرب تُعلَن، ولا سلام يُوقَّع.
بل مشهد معلّق بين النوايا والحدود، بين العيون المتربصة والممرات المغلقة.

ما يبدو هدوءًا على الخريطة، هو في الحقيقة صمت ثقيل، تحته تعبر احتمالات متعدّدة، وتتشابك خيوط لا تُرى.

في الجنوب اللبناني، السماء لا تُشبه القصائد، بل تُنطق بِصمتها أثقالًا لا تُرى…



لم تعد زرقاء كما في الصور، بل محايدة اللون، معلّقة بين الاحتمال والخوف.

هي لوحة رمادية، تتقاطع فيها الطائرات مع الغيم، وتُكتب الأخبار بأصوات لا تُسمع، بل تُحَس.
البيوت هناك لا تغلق نوافذها فقط من أجل الخصوصية، بل خوفًا من المجهول.
الأطفال لا يسألون عن العطل، بل عن أماكن الأمان.
وفي كل حي، ذاكرة تعود على هيئة نغمة إنذار أو ضوء عابر في السماء.

ورغم كل ذلك، لا يزال الناس يشربون قهوتهم عند الشرفات.

ليس عنادًا، بل إيمانٌ بأن التشبّث بتفاصيل الحياة الصغيرة، هو شكل من أشكال الصمود.

فالحياة لا تُنتظر… بل تُؤخذ، حتى في أقسى الظروف..

أما غزة، حيث الانتظار طويل كالعتمة

بعيدًا في ذلك الجنوب، تهمس الرقعة من الأرض بجراحها القديمة والجديدة.
ليست معزولة فقط بالجغرافيا، بل بالصمت العالمي.
هناك، لا تُقصف الأحلام فحسب، بل تُختنق التفاصيل اليومية.
الخبز، الماء، الكهرباء، والدواء… تصبح أمنيات أكثر منها ضروريات.

ورغم ذلك، تنبعث من الحارات الضيقة رائحة الخبز، ويعلو صوت طفل يحاول رسم شمس على جدار.
الناس هنا لا يطلبون شيئًا كبيرًا، فقط نافذة مفتوحة على الأمل.

وفي طهران توازن لا يشبه الاستقرار

الشرق الأوسط
profilenews

 جولة  ساعات، كانت كافية لإعادة تعريف الخطوط الحمراء.
الضربة الجوية التي استهدفت منشأة حساسة، والرد الخاطف الذي أعقبها في أكثر من موقع، لم يتحوّلا إلى حرب، بل إلى معادلة جديدة: توازن بالرعب تحت سقف غير مُعلَن.

وانتهى التصعيد فجأة، كما بدأ. وفي الخلفية، جهد وساطة هادئ قادته عاصمة اعتادت التحدث إلى الجميع، دون ضجيج.
فلم تُرفع الرايات، ولم تُعقد المؤتمرات، لكن البيان الأميركي الذي دعا إلى “وقف مؤقت للتصعيد” لم يأتِ من فراغ…

طهران اليوم تتحرك على إيقاع مختلف. لا تعلن مواقفها بنبرة حادة، لكنها تحتفظ بحق الرد، وتقرأ كل حركة في الإقليم بعين لا تغفل…
وما حدث خلال تلك الساعات المعدودة، أثبت أن الشرق الأوسط لا يحتمل حربًا طويلة، لكنه أيضًا لم يعد يقبل أن يُدار بالصدف أو الشعارات.

وفي إسرائيل حيث تتهشّم الصورة من الداخل مع محاول أن تُبقي صورتها متماسكة…

 فتتراكم من داخلها التناقضات، ويتسرب الشكّ من بين التصريحات.
ففي الشمال خصم لا يتراجع، وفي الجنوب واقع لا يتغيّر.
في الداخل، انقسام لا تُنقذه الضربات الخارجية.

تتكرّر الوعود، وتتصاعد اللهجة، لكنّ الرأي العام لم يعد يرى في القوة وحدها ضمانًا للأمان.

ومن واشنطن، تتدفق التصريحات كما لو كانت رسائل طمأنة للعالم، لكنها في حقيقتها تخاطب جمهورًا آخر…. الرئيس، في عام انتخابي حاسم، يسعى إلى تثبيت صورته من جديد كصانع تهدئة وموازن للقوى، حتى لو كانت الملفات على الأرض أكثر تعقيدًا من الشعارات.

لا لأن السلام بات أولوية، بل لأن الأزمات الخارجية لطالما كانت ورقة مؤثرة في السباق نحو صناديق الاقتراع.
وهكذا، تتحول مشاهد التوقيع واللقاءات إلى لحظات رمزية، تُوظّف في سردية سياسية داخلية أكثر مما تُقاس بتأثيرها على الواقع الميداني في الشرق الأوسط.

وإلى سوريا والعراق والصمت الذي يُعدّ مفاجآت

ففي دمشق وبغداد، لا تُرفع الرايات، ولا تُقرع الطبول.
 خلف الهدوء، تتفاعل ديناميات معقّدة.
في سوريا خاصةً، السماء مزدحمة بالطائرات، والصمت لا يعني انتهاء المواجهة.

ومع كل ما يُعلن، هناك ما لا يُقال.
كنيسة قديمة، تحوّلت فيها لحظة الخشوع إلى صورة لم تكن متوقعة.
لم تُصوّر الواقعة كحدث عابر، بل بقيت عالقة في ضمير مدينة اعتادت أن تخزّن وجعها بصمت.
لا بيانات تكفي، ولا التصريحات تُجفف الدمعة، لكن الحدث ذاته يُذكّر بأن حتى دور العبادة، بما تحمله من رمزية إنسانية، لم تعد بمنأى عن الألم.

وفي العراق، تتشكل التحالفات على الرماد، وتُعاد خريطة النفوذ دون إعلان.
الصمت هناك ليس استسلامًا، بل استعداد بصيغة مختلفة.

فعلى الضفة الأخرى من المشهد، تسير دول الخليج على خيط من التوازن
ليست في قلب النار، لكنها ليست بعيدة عنها..
الوساطات قائمة، والتصريحات موزونة، والاستثمار في الاستقرار لا يزال خيارًا رئيسيًا.

لكن مع كل يوم يمضي، يظهر السؤال القديم مجددًا:
هل يكفي الصمت لبناء المستقبل؟
وهل يمكن للهامش أن يحمي المركز إلى الأبد؟

فالعالم العربي، وراء كل هذه السطور، يغيب خطابه الموحّد.
لا مبادرة تتجاوز اللحظة، ولا موقف يعبّر عن الناس الذين يدفعون الثمن.

القمم تُعقد، لكنّها لا تصل إلى الشوارع.
والبيانات تُنشر، لكنها لا تغيّر الواقع.

وبين كل جولة وأخرى، يبقى الإنسان في المنتصف، لا مُمثَّلًا ولا مسموعًا.

فهل هو صيف مختلف… أم مجرد فصل آخر من الترقب؟

الشرق الأوسط  في لحظة حرجة…في العناية المشددة..
لا اشتعال واسع، ولا هدوء مطمئن.
بل مسار طويل من التآكل، حيث تتراكم التوترات دون انفجار، وتخبو المبادرات دون بدائل.

ورغم كل هذا، لا تزال هناك شعوب تصحو كل صباح، تحاول أن تبني ما هدمته الأيام، وتكتب ما لا تقوله نشرات الأخبار.

ربما لا نعلم إلى أين يتجه هذا الصيف،
لكنه يذكّرنا أن النبض لا ينقطع ما دامت هناك أمّ تُطعم طفلًا،
ورجل يعيد ترميم نافذة،
وشابّ يرسم علمًا على الجدار لا يرى فيه السياسة، بل الانتماء.

في هذا الصيف الذي لا يحمل اسمًا واضحًا، تتردد شعوب الشرق الأوسط بين الرماد والأمل.

لا إعلان حرب، ولا مجيء سلام،

لكن الحياة، برغم كل شيء، لا تزال تكتب نفسها… على الجدران، وفي العيون، وفي الكلمات.


متابعة الخبر العاجل عبر الرابط: هنا..

 

 

قيم هذا المقال | Rate this post

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى