أخبارأخبار عالميةتحليل السياسة العالمية

البرنامج النووي الإيراني يدخل أخطر مراحله منذ 2015

تحليل معمّق: مسار النووي الإيراني بين مفاوضات عمان ورسائل الردع

عاد البرنامج النووي الإيراني إلى واجهة الاهتمام الدولي مع تجدد الاتصالات غير المباشرة بين طهران وواشنطن في مسقط، وظهور مؤشرات متزامنة على تشدد أمني في الإقليم، بينها تحركات دفاعية أميركية في قواعد رئيسية، وفق تغطيات نشرتها رويترز وأسوشيتد برس بتاريخ 10 فبراير/شباط 2026.

الملف النووي الإيراني في مفاوضات عمان وسط توترات
Crisis managed through phased options | إدارة الأزمة عبر خيارات مرحلية

هذا التحليل لا يكتفي بسرد ما يقال سياسيًا، بل يربط بين ما يحدث “على الأرض” وما يُدار “على الطاولة”: قناة الوساطة العُمانية، ومستوى الردع العسكري الأميركي، وضغط إسرائيل لتوسيع أجندة التفاوض، وتموضع أوروبا بين الدبلوماسية والعقوبات، ودور روسيا والصين كطرفين تاريخيين في اتفاق 2015 ومُعادلة مجلس الأمن، ثم يضع سيناريوهات عملية لعام 2026 مع مؤشرات إنذار مبكر ينبغي مراقبتها.

جدول زمني مختصر: من اتفاق 2015 إلى قناة مسقط في 2026

لفهم اللحظة الحالية بدقة، يحتاج القارئ إلى مرجع زمني سريع يوضح كيف تحوّل المسار من “اتفاق شامل” إلى “إدارة أزمة” ثم إلى “قناة غير مباشرة”:

التاريخالحدثالدلالة على المسار
يوليو/تموز 2015توقيع خطة العمل الشاملة المشتركة (اتفاق 2015)قيود نووية مقابل رفع عقوبات مع رقابة موسعة للوكالة
يناير/كانون الثاني 2016بدء التنفيذ وتفعيل الرقابة والتحققمرحلة “التحقق المؤسسي” وتوازن الردع/الدبلوماسية
2018انسحاب واشنطن من الاتفاق وإعادة العقوباتانتقال من اتفاق إلى “ضغط” وتصاعد فجوة الثقة
2024–2025تزايد مسارات التصعيد الإقليمي وتآكل مساحات الرقابةتراجع قابلية تسويق اتفاق شامل سياسيًا
20 يناير/كانون الثاني 2026تحذير الوكالة من استمرار الجمود حول التفتيش ومخزون عالي التخصيبعودة “سؤال المعرفة الرقابية” كشرط لأي تخفيف ضغط
9–11 فبراير/شباط 2026تصريحات/لقاءات ووساطات وتحركات ردع واهتزاز أسواق خليجيةالدبلوماسية تتحرك تحت سقف جاهزية عسكرية أعلى

تستند مقارنة اتفاق 2015 إلى وثائق الاتفاق وملخصاته العامة، بينها ملخص القيود الأساسية المنشور لدى البيت الأبيض (أرشيف 2015) وملخصات مستقلة مثل Arms Control Association.

ما الذي حدث مؤخرًا ولماذا الآن؟

في 10 فبراير/شباط 2026، أفادت أسوشيتد برس بأن مسؤولًا أمنيًا إيرانيًا بارزًا توجّه إلى سلطنة عُمان، التي تتوسط محادثات غير مباشرة مع الولايات المتحدة، في إشارة إلى أن القناة العُمانية باتت تحمل رسائل ذات وزن سياسي/أمني أعلى. وفي اليوم نفسه، نقلت رويترز عن ترامب تلميحًا لاحتمال إرسال حاملة طائرات إضافية إلى المنطقة، مع تأكيده أن الفشل في التوصل إلى تفاهم قد يقود إلى خيار “قاسٍ”.

اللغة هنا ليست تفصيلًا. عندما تصف طهران الحوار بأنه اختبار لجدية واشنطن، فهي تخفّض سقف الالتزام السياسي وتترك لنفسها هامش مناورة إذا تعثر المسار، لكنها في الوقت نفسه تُبقي قناة الرسائل مفتوحة لتبادل خطوات صغيرة. أما واشنطن فتوازن بين توسيع الردع وبين عدم إغلاق باب التفاوض، لأن أي انقطاع كامل للاتصال في بيئة مشحونة يزيد احتمال سوء التقدير.

والأهم أن الدبلوماسية جاءت على خلفية “أرضية ردع” تتحرك سريعًا: فقد نشرت رويترز في 10 فبراير/شباط 2026 تقريرًا يستند إلى تحليل صور أقمار صناعية يفيد بأن القوات الأميركية في قاعدة العديد بقطر وضعت منظومات دفاعية على قاذفات متنقلة، بما يزيد المرونة الدفاعية ضد سيناريوهات هجوم بالصواريخ أو المسيّرات. هذه ليست رسالة تفاوضية فقط؛ إنها إشارة إلى أن المسار النووي يُدار تحت سقف رفع الجاهزية تحسبًا لأسوأ الاحتمالات.

الخارجية العمانية تعقد لقاءات منفصلة مع وفدين أميركي وإيراني
Tasnim News Agency, CC BY 4.0, via Wikimedia Commons

مقارنة زمنية مع اتفاق 2015: ما الذي تغيّر في “قواعد اللعبة”؟

في 2015، صُمم الاتفاق على قاعدة واضحة: قيود محددة زمنيًا على التخصيب والمخزون وعدد أجهزة الطرد المركزي مقابل رفع عقوبات تدريجي مع رقابة موسعة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية. من القيود التي جرى الترويج لها في ملخصات رسمية آنذاك: سقف تخصيب منخفض (3.67% لفترة محددة) وسقف مخزون منخفض (300 كغ من اليورانيوم منخفض التخصيب لفترة محددة)، إضافة إلى خفض عدد أجهزة الطرد العاملة وقيود على منشآت بعينها، وفق ملخص “المعلمات” المنشور في وثيقة البيت الأبيض (2015) وملخصات Arms Control Association.

لكن اللحظة الحالية مختلفة في أربعة مستويات:

Future Scenarios of Iran Nuclear Talks | سيناريوهات المرحلة المقبلة للملف النووي الإيراني
Three potential diplomatic pathways | ثلاثة مسارات دبلوماسية محتملة
  • تآكل “المرجعية المشتركة”: الاتفاق في 2015 كان قائمًا على وثيقة واحدة مشتركة تُلزم الأطراف. اليوم، يُدار المسار عبر قنوات ورسائل غير مباشرة وتفاهمات محتملة “جزئية”، ما يعني أن التنفيذ—إن حصل—قد يكون أكثر هشاشة وأقصر عمرًا.
  • تغيّر مركز الثقل من “القيود” إلى “التحقق”: السؤال الأكبر ليس فقط ما ستفعله إيران، بل: هل تستطيع الوكالة الدولية تأكيد ما يحدث بدقة؟ أي غموض هنا يرفع تكلفة أي تنازل سياسي في واشنطن وأوروبا.
  • تداخل النووي مع ملفات أخرى: ضغط الحلفاء—خصوصًا إسرائيل—يدفع لتوسيع الأجندة لتشمل الصواريخ والدور الإقليمي، وهو ما ترفضه طهران عادة. هذا التداخل كان موجودًا في الخلفية عام 2015، لكنه اليوم أقرب إلى واجهة التفاوض.
  • ارتفاع “مستوى المخاطر العسكرية”: إدارة الأزمة باتت تجري في بيئة ردع أعلى: تحركات دفاعية، خيارات بحرية، وتوتر في أسواق المنطقة، وفق رويترز (11 فبراير 2026) التي أشارت إلى تراجع أسواق خليجية مع حساسية المسار التفاوضي.

هذا يعني أن المقارنة الزمنية ليست حنينًا لاتفاق سابق، بل قياسًا لمدى صعوبة إعادة إنتاج “سلة واحدة” في 2026؛ فالبيئة السياسية مختلفة، وخرائط التحالفات تغيرت، وملفات الردع صارت أكثر حضورًا.

كيف تُدار مفاوضات بلا عنوان “اتفاق”؟

في كثير من أزمات الانتشار النووي، لا تأتي التسوية على شكل وثيقة واحدة كبيرة، بل على شكل “إدارة أزمة” عبر رزم مرحلية: خفض تصعيد مقابل خفض ضغط، ثم اختبار التزام، ثم توسيع نطاق. هذه الصيغة تناسب المرحلة الحالية حيث يختلط النووي بالردع العسكري والملفات الإقليمية. وقد عرضت رويترز (5 فبراير 2026) أهم نقاط الخلاف: ما الذي يدخل في أجندة المحادثات وما الذي يبقى خارجها، خصوصًا في ملف الصواريخ والنفوذ الإقليمي مقابل العقوبات والتخصيب.

هنا يظهر مفهوم “المسار المزدوج”: تنازل نووي محدود ومراقب مقابل تخفيف محدود للعقوبات أو إجراءات اقتصادية قابلة للقياس، دون إعلان شراكة سياسية. هذه تسوية تكتيكية أكثر منها استراتيجية، لكنها قد تكون الخيار الواقعي الوحيد إذا كانت البدائل: تصعيد مفتوح، أو انهيار كامل لقنوات الاتصال.

البعد التقني للأزمة النووية: التحقق قبل التخصيب

البرنامج النووي الإيراني هو بمثابة ملف تقني في جوهره، لكن النقطة التي تثير القلق سياسيًا ليست “الرقم” وحده، بل القدرة على التحقق من الرقم. ففي 20 يناير/كانون الثاني 2026 نقلت رويترز عن مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي أن حالة الجمود بشأن التفتيش لا يمكن أن تستمر، وأن الوكالة لم تتمكن من التحقق من وضع مواد نووية—بما في ذلك كمية أشار إليها التقرير—مع استمرار تعقيد الوصول إلى مواقع رئيسية.

هذه النقطة تفتح سؤالًا محوريًا: حتى لو وافقت إيران على “خفض” أو “تخفيف” مستوى نشاط ما، كيف يمكن قياس ذلك بصورة تمنح صانع القرار الغربي أساسًا للتخفيف الاقتصادي؟ لذلك لا يمكن فصل أي تفاهم محتمل عن “عودة إجراءات رقابية” أو “تعاون فني” مع الوكالة، وهو ما يبقى حجر الزاوية في أي صيغة.

وتوفر الوكالة مرجعًا عامًا للتقارير والوثائق الخاصة بإيران عبر صفحة تقارير مجلس المحافظين، ما يساعد على تتبع متطلبات التحقق وتطور مطالب الرقابة عبر الزمن.

البرنامج النووي الإيراني| تقدير “العتبة النووية”: ماذا تعني عمليًا ولماذا تثير القلق؟

في النقاشات العامة، يُستخدم تعبير “العتبة النووية” لوصف حالة تمتلك فيها الدولة عناصر فنية تجعل الانتقال من برنامج تخصيب إلى إنتاج مادة انشطارية بدرجات أعلى أسرع—حتى إن لم يُعلن عن قرار سياسي بإنتاج سلاح. ويختلف الخبراء في استخدام المصطلح بدقة، لكن النقطة المشتركة هي أن ارتفاع مستويات التخصيب إلى نسب عالية يقلص المسافة التقنية مقارنة ببرنامج ذي تخصيب منخفض.

لماذا هذا مهم؟ لأن الفارق بين تخصيب منخفض يُستخدم عادة لأغراض مدنية وبين مستويات أعلى يصبح—مع توفر المعرفة والأجهزة والمخزون—عاملًا ضاغطًا على القرار السياسي لدى الأطراف الأخرى. وتوضح ملخصات مستقلة أن “الدرجة العسكرية” تُذكر عادةً قرب 90%، بينما كان اتفاق 2015 يهدف إلى إبقاء التخصيب عند مستويات منخفضة جدًا، وفق شروح مثل Arms Control Center.

ومع ذلك، من الضروري التمييز بين ثلاث طبقات عند الحديث عن “العتبة”:

  • طبقة المادة الانشطارية: هل توجد كمية كافية من اليورانيوم المخصب بدرجات عالية يمكن تحويلها إلى مستوى أعلى بسرعة؟ أي نقاش هنا يرتبط بالمخزون والتحقق.
  • طبقة القدرة الصناعية: ما نوع أجهزة الطرد، واستقرار سلاسل الإمداد، وقدرة التشغيل المستمر؟ هذه عوامل تحدد مدى سرعة رفع التخصيب.
  • طبقة “السلاح”: وهي تتجاوز المادة لتشمل تصميمًا واختبارًا ووسائل إيصال. لا يوجد في المصادر المذكورة هنا ما يثبت انتقالًا إلى هذه الطبقة، لذلك يبقى التحليل ملتزمًا بما هو موثق علنًا.

بهذا المعنى، فإن “تقدير العتبة” في 2026 لا يُقدَّم كرقم قطعي، بل كمنطق: كلما ارتفعت مستويات التخصيب وقلّت القدرة على التحقق، ارتفعت حساسية القرار لدى واشنطن وحلفائها، ما يفسر توظيف الردع العسكري بالتوازي مع الدبلوماسية.

الردع العسكري: لماذا ظهرت صور الأقمار الصناعية الآن؟

تقرير رويترز عن نقل منظومات دفاعية إلى قاذفات متنقلة في قاعدة العديد يقدّم “إشارة حركة” وليست مجرد “وضع ثابت”. تقنيًا، القاذفات المتنقلة تعني تقليل قابلية استهداف المنظومة، ورفع فرص إعادة التموضع، وزيادة مرونة الدفاع عن نقطة أو أكثر في وقت قصير. سياسيًا، الرسالة موجهة لثلاثة أطراف: طهران، الحلفاء الإقليميون، والرأي العام الأميركي.

إضافة إلى ذلك، فإن تلميح ترامب لإرسال حاملة طائرات إضافية—كما نقلت رويترز (10 فبراير 2026)—يُستخدم عادةً كأداة ردع ورسالة سياسية أكثر من كونه قرار حرب بحد ذاته. لكنه يرفع كذلك مخاطر “سوء التقدير”، خصوصًا إذا تزامن مع حوادث بحرية أو استهدافات غير منسوبة.

إسرائيل والضغط لتوسيع الأجندة: حدود “الصفقة الضيقة”

إسرائيل تخشى من اتفاق “ضيّق” يركز على النووي دون معالجة الصواريخ أو دعم الجماعات الحليفة لإيران. هذا القلق ظهر في تغطية رويترز (11 فبراير 2026) بشأن سعي نتنياهو للضغط على ترامب لتوسيع نطاق المحادثات. من زاوية التفاوض، هذا يخلق معضلة: إدخال ملفات إضافية قد يرفع “قيمة” أي اتفاق بالنسبة لإسرائيل وبعض الحلفاء، لكنه قد يجعل الاتفاق مستحيلًا بالنسبة لطهران التي ترفض عادةً إدراج الصواريخ ضمن حزمة نووية.

وتحاول واشنطن هنا السير على حبل مشدود: إذا قدمت صفقة نووية ضيقة، قد تواجه اعتراضًا داخليًا وحليفًا متوترًا. وإذا وسعت الأجندة كثيرًا، قد تفشل المحادثات وتصبح الخيارات العسكرية أكثر احتمالًا. لذلك قد تميل الإدارة—وفق منطق إدارة الأزمات—إلى “تفاهم مرحلي” نووي، مع إبقاء الملفات الأخرى في مسارات موازية أو ضغوط منفصلة.

روسيا والصين: قراءة أعمق لموقف موسكو وبكين حول البرنامج النووي الإيراني

روسيا والصين ليستا مجرد مراقبين؛ هما جزء من معادلة اتفاق 2015 تاريخيًا، وهما عضوان دائمان في مجلس الأمن، ما يمنحهما أدوات تأثير على مسارات العقوبات والقرارات الأممية. وفي السنوات الأخيرة، ظهر تقارب موقفهما مع إيران في رفض ما تُسميه الدول الثلاث “العقوبات الأحادية”، والدعوة إلى مفاوضات قائمة على “الاحترام المتبادل” ورفع الضغوط، وفق تقرير رويترز (14 مارس 2025).

كما أظهرت رويترز (1 سبتمبر 2025) تنسيقًا ثلاثيًا (الصين وروسيا وإيران) ضد مساعٍ أوروبية مرتبطة بآليات إعادة العقوبات، ما يعكس أن موسكو وبكين لا تنظران للملف فقط كقضية انتشار نووي، بل كساحة صراع أوسع حول قواعد النظام الدولي، وحدود استخدام العقوبات، ودور مجلس الأمن.

لكن موقف روسيا والصين ليس مطابقًا تمامًا لموقف إيران في كل شيء. هناك ثلاثة اعتبارات أعمق:

  • اعتبار الاستقرار مقابل النفوذ: موسكو وبكين تستفيدان سياسيًا من توسيع نفوذهما في الشرق الأوسط، لكنهما لا ترغبان عادةً في حرب واسعة ترفع مخاطر الطاقة وتربك التجارة. لذلك تميلان إلى “احتواء التصعيد” مع رفض العقوبات الأحادية.
  • اعتبار الشرعية الدولية: عبر مجلس الأمن، تستطيع روسيا والصين تعطيل أو دعم مسارات معينة. وهذا يمنح طهران مظلة سياسية جزئية، لكنه أيضًا يجعل أي مسار تفاوضي حساسًا لصفقات أوسع في ملفات دولية أخرى.
  • اعتبار المساومة مع واشنطن: في لحظات معينة، قد تستخدم موسكو وبكين الورقة الإيرانية ضمن توازنات أشمل، لكن ذلك لا يعني بالضرورة استعدادًا لتقديم تنازلات مجانية لواشنطن، بل لتحسين شروطهما في ملفات أخرى.

وفي السياق النووي الأوسع، تبرز حساسية “النظام الدولي للحد من التسلح” في خطاب الصين؛ فقد نقلت رويترز (5 فبراير 2026) قول بكين إنها تأسف لانتهاء معاهدة أميركية-روسية للحد من الأسلحة، معتبرة أن ذلك يؤثر على الاستقرار الاستراتيجي العالمي. ورغم أن هذا الملف مختلف عن إيران، إلا أنه يكشف إطارًا ذهنيًا صينيًا: الخوف من تآكل منظومات الرقابة والاتفاقات، وهو ما يجعل الصين—نظريًا—أكثر ميلًا لتفضيل مسار تفاوضي يحفظ الحد الأدنى من القواعد بدل انفلاتها.

خلاصة الدور الروسي-الصيني: موسكو وبكين غالبًا ستدعمان أي صيغة تخفف التصعيد وتحد من العقوبات الأحادية، مع الحفاظ على نفوذهما في مجلس الأمن، ورفض تحويل الاتفاق إلى منصة لشروط سياسية تتجاوز النووي. هذا يمنح إيران غطاءً، لكنه لا يضمن اتفاقًا؛ لأن القرار الأميركي النهائي مرتبط بحسابات الردع والحلفاء والداخل الأميركي.

الطاقة العالمية والأسواق: لماذا تتفاعل المنطقة فورًا؟

الملف لا يعيش في فراغ. أي ارتفاع في احتمالات التصعيد ينعكس على علاوة المخاطر في أسواق الطاقة والتأمين البحري، وعلى ثقة المستثمرين في اقتصادات المنطقة. وقد أشارت رويترز (11 فبراير 2026) إلى تراجع أسواق خليجية في تداولات مبكرة على خلفية حساسية المسار الأميركي-الإيراني وتلميحات تعزيز الوجود العسكري.

وهنا يظهر رابط مباشر بين الدبلوماسية والردع: إذا قرأت الأسواق أن الدبلوماسية تتقدم، تتراجع علاوة المخاطر تدريجيًا. وإذا قرأت أن الردع يرتفع دون تقدم سياسي ملموس، ترتفع المخاطر. لذلك، يصبح أي تفاهم—even لو كان جزئيًا—ذو قيمة اقتصادية كبيرة لأنه يضبط توقعات السوق، لا لأنه يحل الأزمة جذريًا.

سيناريوهات الأشهر المقبلة: ثلاث خرائط طريق مع مؤشرات إنذار مبكر حول البرنامج النووي الإيراني

يمكن تلخيص مسار 2026 في ثلاثة سيناريوهات عملية، مع مؤشرات يجب مراقبتها بدل الاكتفاء بالعناوين:

  • سيناريو “التفاهم المرحلي”: تفاهم محدود على إجراءات تحقق محددة (عودة رقابية/إبلاغ) مقابل تخفيف جزئي مدروس.
    مؤشرات الإنذار/النجاح: تكرار لقاءات مسقط بوتيرة قريبة، وظهور إشارات تعاون فني مع الوكالة، وتخفف تدريجي في خطاب التهديد.
  • سيناريو “الجمود المُدار”: استمرار رسائل ولقاءات متقطعة دون اتفاقات ملزمة، مع رفع متبادل للجاهزية واحتواء أزمات متفرقة.
    مؤشرات الإنذار/النجاح: استمرار تحركات الردع (حاملات/منظومات دفاع) دون قرارات اقتصادية أو فنية كبيرة، مع بقاء لغة “الاختبار” بدل “الاتفاق”.
  • سيناريو “الانزلاق إلى التصعيد”: انهيار قناة الرسائل أو وقوع حدث أمني كبير يدفع إلى ردود متسلسلة.
    مؤشرات الإنذار/النجاح: تزايد الحوادث البحرية/الضربات بالوكالة، أو تصعيد مفاجئ في ملف التفتيش، أو ضغط سياسي داخلي يدفع لاتخاذ خطوة حادة.

المؤشرات المنشورة خلال 10–11 فبراير/شباط 2026 تُظهر مسارًا يميل إلى “إدارة أزمة” مع جاهزية أعلى، لكن هذا لا يلغي هشاشة التوازن؛ إذ يكفي حادث واحد لتغيير المسار بسرعة.

 ما الذي يجب مراقبته خلال الأسابيع المقبلة؟

إذا كان على صانع القرار أو القارئ أن يراقب أربع إشارات فقط لتحديد الاتجاه، فهي:

  • وتيرة لقاءات مسقط ومخرجاتها: هل تتحول من “اختبار” إلى “خطوات فنية”؟
  • لغة الوكالة الدولية للطاقة الذرية: أي تقدم في التحقق أو استمرار الجمود كما حذرت منه رويترز.
  • مستوى الردع العسكري: توسع التحركات الدفاعية أو البحرية، خصوصًا مع تلميحات ترامب بشأن حاملات إضافية وفق رويترز.
  • ضغط الحلفاء ومسار موسكو وبكين: هل يدفع نحو توسيع الأجندة أم نحو تهدئة مرحلية، مع ثقل مجلس الأمن كما توضحه تقارير رويترز؟

في المحصلة، لا يُقرأ البرنامج النووي الإيراني اليوم باعتباره مسألة تخصيب فقط، بل باعتباره اختبارًا لمنظومة “التحقق والردع” معًا: دبلوماسية غير مباشرة تعمل تحت ضغط عسكري، وحلفاء يطالبون بتوسيع الشروط، وروسيا والصين تتعاملان مع العقوبات كصراع قواعد لا كإجراء تقني فقط، وأسواق تُسعّر المخاطر لحظة بلحظة. وبين هذه الدوائر المتداخلة، سيُحدد عام 2026 ما إذا كانت الأزمة ستُدار بتفاهمات مرحلية تقلص المخاطر، أم ستبقى جمودًا عالي الكلفة، أم ستنزلق إلى تصعيد إذا تعطلت صمامات الأمان.


يندرج هذا التحليل ضمن تغطية “تحليل السياسة العالمية” التي يتابع من خلالها Profile News تحولات موازين القوى الدولية.

قيم هذا المقال | Rate this post

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى