بين الاقتصاد والسياسة: هل تنجح واشنطن في عزل روسيا عبر بوابة التجارة العالمية؟
الولايات المتحدة تتجه لفرض تعريفات جمركية على داعمي روسيا: هل ينجح ضغط الاقتصاد في تغيير مسار الحرب عبر التجارة العالمية؟
بينما تدخل الحرب في أوكرانيا عامها الرابع دون أفق واضح للتسوية، تتصاعد في واشنطن أصوات تطالب باستخدام أدوات اقتصادية جديدة، بما في ذلك عبر التجارة العالمية، للضغط على روسيا. وفي هذا السياق، يقود السيناتور الأميركي ليندسي غراهام

مبادرة تشريعية بارزة تهدف إلى فرض تعريفات جمركية ضخمة على الدول التي تستورد النفط والغاز الروسي، مثل الصين والهند والبرازيل. المبادرة، التي يدعمها عدد من أعضاء الكونغرس، تأتي ضمن مساعٍ لإجبار الكرملين على الجلوس إلى طاولة المفاوضات.
تعتبر التجارة العالمية أحد العناصر الأساسية التي يمكن استخدامها كأداة ضغط في الجهود السياسية والاقتصادية.
خلفية: العقوبات السابقة وحدود فعاليتها
منذ اندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية في فبراير 2022، فرضت الولايات المتحدة وحلفاؤها في الاتحاد الأوروبي عقوبات واسعة على موسكو أثرت بشكل مباشر على التجارة العالمية وشملت:
- تجميد أصول مالية.
- منع استيراد التكنولوجيا المتقدمة.
- قيود على البنوك الروسية.
- سقوف على أسعار النفط والغاز في التجارة العالمية.

لكن هذه العقوبات لم توقف تدفق الأموال إلى روسيا. فقد تمكنت موسكو من إعادة توجيه صادراتها من الطاقة إلى آسيا، خصوصاً إلى الصين والهند، بأسعار مخفضة، ما يعكس تأثيرها في شبكة التجارة العالمية. ووفق تقديرات صندوق النقد الدولي، ساهمت هذه الإيرادات في تمويل العمليات العسكرية الروسية رغم الكلفة العالية للعقوبات الغربية.
تفاصيل مبادرة غراهام
1. الصلاحيات الرئاسية
المبادرة تقترح منح الرئيس الأميركي صلاحية فرض تعريفات جمركية قد تصل إلى 100٪ على واردات الدول التي تستمر في شراء النفط الروسي.
2. الدول المستهدفة
أبرز الدول هي:
- الصين: أكبر مشترٍ للنفط الروسي حالياً.
- الهند: عززت وارداتها بعد الحرب بشكل غير مسبوق.
- البرازيل: استفادت من خصومات كبيرة على الغاز الروسي.
3. آلية التنفيذ
المقترح يسعى لدمج هذه التعريفات في الخطة التمويلية المؤقتة للحكومة الأميركية (Continuing Resolution – CR)، ما يسهل تمريره ضمن تشريع ضروري للحفاظ على عمل المؤسسات الحكومية.
دوافع واشنطن
- قطع شريان التمويل عن موسكو: النفط والغاز يشكلان نحو 40٪ من عائدات الميزانية الروسية.
- تعزيز الضغط على بوتين: الهدف هو دفعه إلى التفاوض لإنهاء الحرب.
- إظهار القيادة الأميركية: غراهام شدد على أن “الولايات المتحدة يجب أن تقود العالم في مواجهة روسيا، لا أن تكتفي بالمتابعة”.
- تأكيد دور الكونغرس: المبادرة تحمل رسالة بأن المشرعين غير راضين عن وتيرة العقوبات الحالية ويريدون خطوات أكثر صرامة.
ردود الفعل الأولية
داخل الولايات المتحدة
- مؤيدون: يرون أن المبادرة ستزيد الضغط على موسكو وتحد من قدرتها على تمويل الحرب.
- معارضون: يحذرون من مخاطر حرب تجارية مع دول كبرى مثل الصين والهند.
على المستوى الدولي
- الهند: أكدت في مناسبات سابقة أنها لن تتوقف عن شراء النفط الرخيص، معتبرة أن مصلحتها الوطنية فوق أي اعتبار.
- الصين: ترى في أي عقوبات أميركية جديدة محاولة لتقويض نفوذها الاقتصادي.
- البرازيل: قد تعتبر الإجراء تهديداً لشراكتها التجارية مع موسكو.
الآثار الاقتصادية المحتملة
1. على الأسواق العالمية
- ارتفاع أسعار النفط والغاز.
- اضطراب في سلاسل التوريد.
- زيادة الضغوط التضخمية في الدول الصناعية.
2. على الدول المستهدفة
- احتمال بحث هذه الدول عن تحالفات تجارية بديلة (مثل تعزيز تعاونها مع إيران أو فنزويلا).
- ردود فعل انتقامية عبر فرض تعريفات مقابلة على الصادرات الأميركية.
3. على الولايات المتحدة
- تأثير مباشر على المستهلك الأميركي من خلال ارتفاع أسعار الوقود.
- مخاطر سياسية داخلية في ظل موسم انتخابي محتدم.
الجوانب القانونية والدستورية
- الجدل يدور حول مدى صلاحيات الرئيس في فرض تعريفات دون العودة إلى الكونغرس.
- المبادرة قد تواجه تحديات قضائية في حال طُعِن فيها باعتبارها تخالف التزامات الولايات المتحدة في منظمة التجارة العالمية.
البعد الاستراتيجي
- المبادرة تمثل تحولاً من العقوبات المالية إلى استخدام التعريفات الجمركية كأداة ضغط جيوسياسي.
- لكنها تحمل مخاطر أن تؤدي إلى انقسام بين واشنطن وحلفائها إذا لم يتم التنسيق بشكل كامل.
- قد تدفع روسيا إلى مزيد من التقارب مع الصين، ما يعزز محوراً اقتصادياً بديلاً عن الغرب.
مقارنة مع تجارب تاريخية
- الولايات المتحدة استخدمت التعريفات سابقاً ضد اليابان في الثمانينيات لحماية صناعاتها.
- لكنها نادراً ما استخدمتها كأداة ضغط سياسي-أمني بهذا الحجم.
- التجربة الأقرب كانت في الحرب التجارية مع الصين (2018-2020)، حيث تسببت في أضرار متبادلة دون تحقيق اختراق سياسي كبير.
مواقف بديلة داخل واشنطن
- بعض الأصوات تدعو إلى زيادة الدعم العسكري المباشر لأوكرانيا بدلاً من التركيز على تعريفات جمركية قد تكون غير فعّالة.
- آخرون يرون أن الحل هو حوافز إيجابية للدول المستوردة مثل تقديم بدائل في الطاقة من الخليج أو الولايات المتحدة نفسها.
مبادرة ليندسي غراهام ..
هذه المبادرة لفرض تعريفات جمركية على داعمي روسيا تعكس تصاعد التوجه نحو استخدام الاقتصاد كسلاح استراتيجي. نجاحها يعتمد على:
- مدى التزام الحلفاء الأوروبيين والآسيويين.
- قدرة واشنطن على امتصاص التبعات الاقتصادية داخلياً.
- رد الفعل الروسي-الصيني-الهندي الذي قد يحدد مسار التوازن العالمي في المرحلة المقبلة.
في النهاية، السؤال الجوهري يبقى: هل يمكن للضغط الاقتصادي، بما في ذلك عبر أدوات التجارة العالمية، أن يغيّر حسابات الكرملين، أم أن الحرب ستستمر حتى تتغير المعطيات العسكرية على الأرض؟
اقرأ أيضًا:









