منبر الكتاب

ثورة الوعي: تفكيك هندسة الوهم ومخططات الساحل الإبراهيمي في شرق المتوسط | د. نبيلة عفيف غصن

منبر الكتّاب  يندرج هذا المقال ضمن قسم “منبر الكتّاب”، ويعبّر عن وجهة نظر كاتبته استناداً إلى قراءتها السياسية للأحداث، ولا تعبّر الآراء الواردة فيه بالضرورة عن الموقف التحريري لمنصة Profile News.

د. نبيلة عفيف غصن

منبر الكتّاب

د. نبيلة عفيف غصن

كاتبة وباحثة مهتمة بقضايا الجغرافيا السياسية والتحولات الإقليمية في الشرق الأوسط.

تستيقظ الجغرافيا التاريخية لبلاد الشام اليوم على قرع طبول إعادة الهيكلة الجيوسياسية، حيث لم يعد الصراع مجرد مواجهة عسكرية كلاسيكية، بل تحول إلى معركة اختراق ناعم وعميق يستهدف البنى المجتمعية والهويات الحضارية. إن ما يُسمى “الحراك الإبراهيمي” ليس مجرد مبادرة سلام واهية أو حراكاً فكرياً عابراً، بل هو مشروع سياسي أمني بامتياز، يُدار بأدوات استخباراتية صهيونية وتمويل وتنسيق إقليمي، يهدف إلى تفتيت وحدة الهوية الجغرافية للأمة السورية وعزل مكوناتها الأصيلة.

أولاً: خديعة “بالونات الاختبار” وتوظيف الانكسار التاريخي

إن ظهور شخصيات مثل توم فاغنر — بخلفيته العسكرية كضابط تنسيق سابق في جيش الاحتلال ومستشار استراتيجي — في واجهة المشهد الموجه نحو المجتمع العلوي السوري، لا يمكن قراءته إلا كجزء من توزيع الأدوار بدقة داخل الدولة العميقة للكيان الصهيوني.
● الاختراق الناعم: تسعى هذه التحركات إلى استغلال لحظات الضعف والقلق الوجودي التي تمر بها المجتمعات المحلية بعد التحولات الكبرى؛ لفرض واقع ديموغرافي وسياسي جديد.
● صناعة نخب بديلة: يهدف المشروع إلى عزل قوى المجتمع الحية وصناعة نخب هجينة تفصل الساحل السوري عن عمقه الطبيعي والحيوي في الهلال الخصيب، وتحويل الهواجس الأمنية المشروعة إلى تحالفات مشبوهة مع الكيان الصهيوني تحت لافتة “السلام الإقليمي”.
● الغطاء الأمني الباطني: يتحرك فاغنر بغطاء وتوجيه غير مباشر من الأجهزة الأمنية الصهيونية لاستكشاف مساحات لا يمكن للدبلوماسية الرسمية دخولها علناً، ممهداً لمخطط رسمي غير معلن لإعادة هندسة المنطقة سياسياً بعد سقوط نظام الأسد.

ثانياً: الحزام البحري وجغرافيا الوهم الحصينة

تقوم القراءة الجغرافية لهذا المخطط على محاولة بائسة لإنشاء طوق بحري يمتد من السواحل الفلسطينية المحتلة جنوباً إلى اللاذقية وطرطوس شمالاً. إنها محاولة لمحاصرة العمق الداخلي السوري وعزل الحواضر التاريخية للأمة عبر حزام ساحلي (يهودي – علوي) من خلال:
● خنق الواجهة البحرية: السيطرة على الموانئ وخطوط التجارة الدولية وحرمان البيئة الداخلية من منافذها الطبيعية نحو المتوسط، بما يمنح الأطراف المتحالفة فك ارتباط كامل عن أي سلطة مركزية في العواصم الداخلية.
● نهب ثروات الطاقة: إحكام القبضة على أضخم حقول الغاز المكتشفة في شرق المتوسط، وتحويل الساحل السوري إلى رهينة اقتصادية تُدار بأيدي هذا المحور للتحكم في إمدادات الطاقة نحو أوروبا وفرض الشروط في المفاوضات الدولية.
● الجدار الجغرافي العازل: تحويل جغرافية المكون العلوي بين حمص وحماة وصولاً إلى البحر إلى مصدّ طبيعي يضمن أمن الكيان الصهيوني بشكل مضاعف ومستدام، عبر تكريس “الفيدرالية القسرية” وتفتيت وحدة الأرض، عبر السيطرة المشتركة على السواحل التي تكرس عملياً تفكيك الدولة.

ثالثاً: الدور الإماراتي.. المحور اللوجستي والتمويلي من دبي إلى تل أبيب

لا يمكن للمخطط الصهيوني أن يرى النور دون غطاء مالي ودبلوماسي يوفر له الشرعية السياسية والملاذ اللوجستي، وهنا يبرز دور أبوظبي كحجر أساس تنفيذي مكمل لمسار التطبيع الشامل:
● العاصمة الإقليمية للمشروع: تحولت أبوظبي إلى المقر الرئيسي لمنظمات وحراكات الإبراهيمية السياسية، حيث تتقاطع المصالح مع الكيان الصهيوني بشكل استراتيجي.
● تقسيم الأدوار: يلعب الكيان الصهيوني دور المخطط الأمني والعسكري والمستشار الاستراتيجي، في حين تقدم الإمارات الغطاء الدبلوماسي، والتمويل، والبيئة الآمنة لصناعة نخب جديدة موالية لخط (أبوظبي – تل أبيب).
● صهر الهويات الحضارية: يهدف هذا التحالف إلى ملء الفراغ الناتج عن سقوط الأنظمة عبر استبدال الهويات الجغرافية والتاريخية العريقة للمنطقة بهوية إبراهيمية مصطنعة تخدم الهيمنة الأجنبية وتحول الخطط النظرية إلى واقع ملموس.

رداً على المخطط: يقظة الوعي السوري والوحدة الجغرافية

إن هذا المقترح لإعادة هندسة المنطقة يغفل حقيقة تاريخية وجيوسياسية كبرى: المجتمع العلوي هو مكون أصيل وجزء لا يتجزأ من النسيج السوري وحضارته الممتدة، ولم تكن الجغرافيا الساحلية يوماً إلا حامية الثغور وعمقاً حيوياً متصلاً بكافة حواضر الأمة السورية.
الوعي هو السلاح الأول: إن الرد الحقيقي والنهضوي على خطط توم فاغنر وأدواته يتطلب صرخة وعي جماعية ترفض الانجرار وراء بالونات الاختبار الاستخباراتية. إن الفضاء الجغرافي والحضاري للساحل السوري الممتد من سيناء إلى كليكيا والأسكندرون لا يمكن تفكيكه أو فصله عن عمقه البري في الهلال الخصيب. إن الانكسار التاريخي لا يُعالج بالارتماء في أحضان الاحتلال، بل بالتمسك بالوحدة الوطنية والبيئة الجغرافية الجامعة، وتفويت الفرصة على مشروعات “الكانتونات” التي لا تخدم إلا أمن الكيان الصهيوني ومطامعه في غاز المتوسط.
الساحل السوري سيبقى الواجهة البحرية الحية لعمقنا الجغرافي والتاريخي، ولن يتحول بحرنا إلى حزام أمني لحماية المشروع الصهيوني.


4.3/5 - (7 أصوات)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى