منوعاتتكنولوجيا وعلوم

الوصاية الإعلامية: هل تقرأ ما تختاره أم ما تختاره الخوارزميات؟ كم يكلف الوصول للحقيقة؟

دراسات وتقارير حديثة ترصد صعود الوصاية الإعلامية وتراجع المؤسسات الإخبارية أمام نفوذ المنصات والذكاء الاصطناعي

 

تشير دراسات حديثة وتحليلات أكاديمية إلى أن المشهد الإعلامي العالمي يشهد تحولاً عميقاً تقوده الخوارزميات والمنصات الرقمية، حيث لم تعد عملية إنتاج الأخبار وتوزيعها محصورة بوسائل الإعلام التقليدية، بل أصبحت خاضعة لأنظمة رقمية تعتمد على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات وتوجيه المحتوى، وهو ما أعاد تشكيل طريقة وصول الجمهور إلى المعلومات وأثر على جودة المحتوى الإخباري المتاح.

تراجع الصحافة التقليدية.. أين اختفى المحتوى الأصلي؟

في هذا السياق، يلفت الباحث الأمريكي مات بيرس في تحليل نشره عبر نشرة متخصصة بشؤون الإعلام والديمقراطية إلى أن تراجع الصحافة المحلية ووسائل الإعلام التقليدية أدى إلى فجوة واضحة في إنتاج الأخبار الأصيلة، وهو ما لم تنجح المنصات الرقمية في تعويضه بشكل كامل.

ويشير بيرس إلى أن هذا التراجع لا ينعكس فقط على جودة المحتوى، بل يرتبط أيضا بارتفاع معدلات العزلة الاجتماعية، وانخفاض مستوى الوعي العام بأداء المسؤولين، إضافة إلى زيادة احتمالات الفساد، واصفا هذا التدهور بأنه “ضريبة غير مرئية” تتحملها المجتمعات، مع تحميل جزء من المسؤولية للشركات التكنولوجية الكبرى.

أزمة الصحافة المحلية

ويعزز هذا الطرح تقرير معهد “ميديل” حول واقع الصحافة المحلية الصادر في أكتوبر 2025، والذي يؤكد أن أزمة الإعلام المحلي تتفاقم منذ نحو عقدين، لكنها أصبحت اليوم أكثر تأثيراً على المشهد الإعلامي العالمي.

ويظهر التقرير أن تراجع المؤسسات الصحفية المحلية أدى إلى تقلص مصادر الأخبار الموثوقة، في وقت يتزايد فيه الاعتماد على المنصات الرقمية التي تعمل وفق خوارزميات لا تعكس بالضرورة الأولويات العامة للمجتمعات.

الاقتصاد السلوكي والإعلام

وفي تفسير أعمق لهذه التحولات، يستند الكاتب إلى أدوات الاقتصاد السلوكي لفهم تعثر إعادة بناء صناعة الأخبار، بالاعتماد على أطروحات الحائزين على جائزة نوبل دانيال كانمان وريتشارد ثالر، اللذين يربطان بين سلوك الأفراد في البيئات المعقدة وطريقة تعاملهم مع المعلومات الرقمية.

ويشير التحليل إلى أن المستخدمين يميلون إلى اتخاذ قرارات معرفية غير دقيقة عند التفاعل مع الإنترنت، في وقت تستغل فيه المنصات الرقمية هذه الثغرات عبر خوارزميات توجه المحتوى وتعيد تشكيل التجربة الإعلامية.

من الإعلام التقليدي إلى الخوارزميات.. كلفة الوصول إلى الحقيقة

ويستعيد التحليل أفكار المفكر الأمريكي والتر ليبمان في كتابه “الرأي العام” عام 1922، الذي تناول حدود إدراك الجمهور لتعقيدات الواقع، مقابل رؤية الفيلسوف جون ديوي التي دافعت عن قدرة المواطن العادي على الفهم والمشاركة.

ومع هيمنة الإعلام الجماهيري خلال القرن العشرين، لعبت القيود الاقتصادية وارتفاع تكاليف الإنتاج دورا في تركيز صناعة الأخبار في أيدي مؤسسات محدودة، ما أسهم في بناء معايير مهنية واضحة داخل غرف الأخبار.

لكن هذا النموذج تغير مع الثورة الرقمية، إذ أصبحت تكلفة إنتاج وتوزيع المحتوى شبه صفرية، بينما ارتفعت في المقابل “تكلفة البحث عن الحقيقة” بالنسبة للمستخدم العادي، وسط وفرة هائلة من المحتوى منخفض الجودة، وهو ما أدى إلى انتقال “الوصاية الإعلامية” من المؤسسات الصحفية إلى الخوارزميات الرقمية.

الذكاء الاصطناعي وصناعة الأخبار

وفي تطور مرتبط، تكشف دراسة للباحثين أينغوس بريدجمان وتيلور أوين، لصالح “مركز الإعلام والتكنولوجيا والديمقراطية” في كندا، أن نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي مثل “شات جي بي تي” و”جيميني” و”كلود” و”غروك” تعتمد على جمع محتوى من مؤسسات إخبارية، بما في ذلك مواد مدفوعة، دون إسناد واضح للمصادر في كثير من الحالات.

وتوضح الدراسة أن هذه الأنظمة تحتفظ بالبيانات ضمن بنيتها الداخلية، لكنها لا تعرضهاً دائماً للمستخدم، ما يخلق خللاً في العدالة بين صناع المحتوى والمستهلكين، ويؤثر أيضا على نماذج التمويل القائمة على الاشتراكات والإعلانات.

كما تشير إلى أن هذا النمط من “كشط المحتوى” القائم على جمع البيانات والمعلومات، يدفع بعض المؤسسات إلى إغلاق محتواها خلف جدران دفع رقمية، مما يقلل من إتاحة الأخبار الموثوقة للجمهور ويزيد من الكلفة المعرفية للوصول إليها.

المنصات الرقمية وغياب التوجيه

وفي سياق متصل، يدعو خبراء الاقتصاد السلوكي إلى تطبيق ما يعرف بـ”الوصاية الليبرالية“، عبر توجيه المستخدمين نحو محتوى أفضل من خلال أدوات غير قسرية، وهو ما كانت تقوم به وسائل الإعلام التقليدية من خلال إبراز الأخبار ذات الأهمية العامة في واجهتها التحريرية.

لكن المنصات الرقمية، بحسب التقرير، لا توفر أدوات كافية لدعم الصحافة عالية الجودة أو توزيع عادل لعائدات الإعلانات، رغم اعتمادها المتزايد على المحتوى الإخباري.

ويمتد هذا التأثير إلى محركات البحث الكبرى، حيث يشير التحليل إلى أن “غوغل” لم تعد تلعب الدور التقليدي في توجيه المستخدمين إلى المواقع الإخبارية كما في السابق، نتيجة اعتمادها المتزايد على ملخصات الذكاء الاصطناعي، ما أدى إلى تراجع حركة الزيارات إلى المؤسسات الصحفية، خصوصا الصغيرة منها.

إعادة تشكيل المشهد الإعلامي

وتشير الأبحاث الحديثة إلى أن المؤسسات الإعلامية الصغيرة، التي تعتمد بشكل أساسي على اكتشاف المحتوى عبر محركات البحث، هي الأكثر تضرراً من هذا التحول الرقمي، في وقت تتزايد فيه التحديات الاقتصادية والمعرفية أمام صناعة الأخبار.

وفي المحصلة، يعكس هذا المشهد تحولاً عميقاً في علاقة الجمهور بالمعلومة، حيث لم تعد الأخبار مجرد منتج صحفي تقليدي، بل أصبحت جزءاً من نظام رقمي واسع تتحكم فيه الخوارزميات، ما يفرض تحديات متزايدة على مستقبل الصحافة وجودة المعلومات في العصر الرقمي.


اقرأ أيضاً:

ميت غالا 2026 نيوريوك على شاشة هاتف مكسورة في ريف دمشق.. الإعلام الرقمي والجمال والحرمان


قيم هذا المقال | Rate this post

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى