أخبارأخبار عالمية

برنامج الصواريخ التركي.. كيف انتقلت أنقرة من الاعتماد على الناتو إلى تطوير قدرات ردع بعيدة المدى؟

برنامج الصواريخ التركي: من “كاسيرغا” 100 كم إلى “يلدريم خان” 6000 كم وسرعة 25 ماخ… مسيرة تطوير من الصواريخ التكتيكية قصيرة المدى إلى صاروخ عابر للقارات

 

يشهد برنامج الصواريخ التركي تطوراً متواصلاً منذ عقود، في إطار مساعي أنقرة لتعزيز قدراتها الدفاعية المحلية وتوسيع قاعدة صناعاتها العسكرية.

ومع الكشف عن صاروخ “يلدريم خان”، عاد الاهتمام إلى مسار طويل من التطوير شمل الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز وأنظمة الضربات الدقيقة، في وقت تتزايد فيه أهمية القدرات الصاروخية في بيئات الصراع الحديثة.

ويأتي الإعلان عن الصاروخ الجديد ضمن توجه أوسع تتبناه تركيا لتطوير صناعاتها الدفاعية وتقليل الاعتماد على الأنظمة الأجنبية، مستفيدة من خبرات تراكمت على مدى عقود من العمل في مجالات التسليح والبحث والتطوير العسكري.

“يلدريم خان”.. أحدث محطة في برنامج الصواريخ التركي

خلال معرض “ساها 2026″، كشفت تركيا عن صاروخ “يلدريم خان“، الذي تقول إن مداه يصل إلى 6000 كيلومتر وتبلغ سرعته 25 ماخ، في خطوة لفتت اهتمام المتابعين لبرامج التسليح والصناعات الدفاعية.

ويأتي الإعلان بعد سلسلة من المشاريع الصاروخية التي طورتها أنقرة خلال السنوات الماضية، من بينها صواريخ “يلدريم” و”بورا” و”تايفون”، والتي مثلت مراحل متتالية في توسيع مدى الصواريخ التركية وتحسين دقتها وقدراتها العملياتية.

ويُنظر إلى هذه البرامج باعتبارها جزءاً من توجه أوسع لتعزيز قدرات الردع التقليدية، في ظل بيئة إقليمية ودولية تشهد تغيرات متسارعة في طبيعة التهديدات العسكرية.

من مظلة الناتو إلى بناء قاعدة صناعية محلية

خلال الحرب الباردة، اعتمدت تركيا بصورة رئيسية على منظومة الردع التابعة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) والضمانات الأمنية الأمريكية، خصوصاً بعد انضمامها إلى الحلف عام 1952.

وشكل نشر صواريخ “جوبيتر” الأمريكية على الأراضي التركية إحدى أبرز صور هذا التعاون العسكري، قبل أن تصبح تلك الصواريخ جزءاً من التفاهمات التي أنهت أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962.

لكن عدداً من التطورات السياسية والعسكرية دفع أنقرة تدريجياً إلى مراجعة مستوى اعتمادها على الحلفاء الخارجيين. ومن بين هذه التطورات أزمة قبرص، ورسالة الرئيس الأمريكي ليندون جونسون عام 1964، ثم الحظر العسكري الأمريكي الذي فُرض على تركيا بعد التدخل العسكري في قبرص عام 1974.

وأدت تلك المحطات إلى تنامي التوجه داخل مؤسسات الدولة نحو بناء صناعة دفاعية محلية قادرة على تلبية الاحتياجات العسكرية بصورة أكثر استقلالية.

بيئة إقليمية متغيرة عززت الاهتمام بالقدرات الصاروخية

بعد نهاية الحرب الباردة، وجدت تركيا نفسها أمام محيط إقليمي متقلب شمل حروب البلقان، والنزاعات في جنوب القوقاز، وتداعيات حرب الخليج، ثم التطورات الأمنية في العراق وسوريا وشرق البحر المتوسط.

كما ساهمت النزاعات الحدودية والأزمات الإقليمية المتلاحقة في تعزيز الاهتمام التركي بامتلاك أدوات ردع متنوعة، خاصة مع انتشار الصواريخ الباليستية في عدد من دول المنطقة.

وفي هذا السياق، بدأت المؤسسة العسكرية التركية في التسعينيات العمل على مسارين متوازيين، يتمثل الأول في تطوير قاعدة صناعية محلية، بينما ركز الثاني على سد الاحتياجات العاجلة عبر شراء أنظمة صاروخية جاهزة.

من “كاسيرغا” إلى “بورا”.. مراحل التطور الأولى

شهدت نهاية التسعينيات بداية مرحلة جديدة مع التعاون التقني بين تركيا والصين في مجال الصواريخ.

وأثمر هذا التعاون عن إنتاج منظومة “TR-300 كاسيرغا”، التي طورتها شركة “روكيتسان” اعتماداً على تقنيات صاروخية صينية، قبل أن تعمل الشركة لاحقاً على تحسين المدى والدقة وإنتاج نسخ أكثر تطوراً.

وبعد ذلك، انتقلت تركيا إلى تطوير صاروخ “يلدريم” الباليستي، ثم صاروخ “بورا”، الذي مثل خطوة مهمة في زيادة مدى الصواريخ التركية وتحسين دقة الإصابة، قبل أن يدخل الخدمة العسكرية ويتم تصديره إلى عدد من الدول.

كما سجل صاروخ “بورا” أول استخدام قتالي معلن لصاروخ باليستي تركي خلال عملية عسكرية شمال العراق عام 2019.

“تايفون” وصواريخ المدى الأبعد

مع توسع الخبرات المحلية، بدأت تركيا العمل على جيل جديد من الصواريخ الباليستية.

وأجرت أول اختبار معلن لصاروخ “تايفون” عام 2022، حيث تجاوز مداه خلال التجربة 560 كيلومتراً. وتواصلت الاختبارات اللاحقة قبل الانتقال إلى مرحلة الإنتاج التسلسلي وتسليم المنظومة إلى القوات التركية.

وفي عام 2025، كشفت شركة “روكيتسان” عن نسخة “تايفون بلوك 4″، التي تشير مواصفاتها المعلنة إلى دخولها فئة الصواريخ التي يتجاوز مداها ألف كيلومتر.

ويُنظر إلى هذه التطورات باعتبارها مؤشراً على انتقال برنامج الصواريخ التركي من التركيز على الردع التكتيكي القريب إلى تطوير قدرات قادرة على الوصول إلى مسافات أبعد.

صواريخ كروز والمسيّرات ضمن منظومة واحدة

لا يقتصر برنامج الصواريخ التركي على الصواريخ الباليستية فقط، بل يشمل أيضاً مشاريع متقدمة لصواريخ كروز والذخائر الجوالة.

ومن أبرز هذه المشاريع صاروخ “صوم”، إلى جانب برامج أخرى مثل “غِزغين” و”أتماجا”، فضلاً عن الذخائر الذكية المستخدمة على الطائرات المأهولة وغير المأهولة.

ويتزامن ذلك مع التوسع الكبير في برامج الطائرات المسيّرة التركية، بما في ذلك “بيرقدار” و”العنقاء” و”قيزل إلما”، ضمن توجه يهدف إلى دمج الصواريخ والطائرات غير المأهولة وأنظمة الاستشعار والقيادة والسيطرة في منظومة عملياتية مترابطة.

وقد اكتسب هذا التوجه زخماً إضافياً مع التطورات التي شهدتها النزاعات الحديثة، والتي أظهرت أهمية الجمع بين الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة في تنفيذ العمليات العسكرية.

دور روكيتسان وأسيلسان وتوبيتاك في تطوير البرنامج

يقوم برنامج الصواريخ التركي على شبكة من المؤسسات الصناعية والبحثية المتخصصة.

وتعد شركة Roketsan الجهة الرئيسية المسؤولة عن تطوير وإنتاج عدد كبير من الصواريخ التركية، فيما يتولى معهد TÜBİTAK SAGE جانباً مهماً من أعمال البحث والتطوير في مجالات التوجيه والدفع والتقنيات المتقدمة.

كما توفر شركة ASELSAN الأنظمة الإلكترونية والرادارات وأجهزة الاستشعار وأنظمة الملاحة المستخدمة في المنظومات الصاروخية الحديثة.

تحديات تقنية واقتصادية لا تزال قائمة

ورغم التقدم الذي حققته الصناعات الدفاعية التركية، لا تزال عدة تحديات تواجه برنامج الصواريخ التركي.

وتبرز المحركات المتقدمة بين أبرز الملفات التي تسعى أنقرة إلى تطويرها محلياً، في ظل القيود المفروضة عالمياً على نقل تقنيات الدفع الصاروخي والمحركات العسكرية.

كما واجهت بعض المشاريع الدفاعية التركية خلال السنوات الماضية تحديات مرتبطة بالحصول على تراخيص التصدير أو المكونات الأجنبية الحساسة، وهو ما دفع المؤسسات الدفاعية إلى زيادة الاستثمار في مشاريع التوطين التقني.

وتشمل التحديات أيضاً تطوير شبكات الاستطلاع والأقمار الصناعية ومنظومات القيادة والسيطرة اللازمة لدعم الصواريخ بعيدة المدى، إضافة إلى متطلبات التمويل والإنتاج المستمر على نطاق واسع.

بين الطموح الدفاعي ومتطلبات الاستدامة

يعكس تطور برنامج الصواريخ التركي تحولاً تدريجياً في مقاربة أنقرة للأمن والدفاع، من الاعتماد الكبير على منظومات الحلفاء إلى بناء قدرات صناعية وعسكرية محلية في مجالات الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيّرة.

ومع استمرار تطوير مشاريع جديدة مثل “تايفون” و”يلدريم خان”، تواصل تركيا توسيع استثماراتها في هذا القطاع، في وقت تبقى فيه قدرة هذه البرامج على تحقيق أهدافها مرتبطة بعوامل تقنية واقتصادية وتشغيلية متعددة، فضلاً عن التطورات الإقليمية والدولية التي تؤثر على بيئة الصناعات الدفاعية حول العالم.


اقرأ أيضاً:

تركيا: مشروع خط أنابيب للناتو وأزمة دبلوماسية مع إسرائيل واحتجاجات إسطنبول

تركيا وشرق المتوسط.. كيف تعيد الممرات التجارية والطاقة رسم التحالفات الإقليمية؟

قيم هذا المقال | Rate this post

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى