مقالات و رأيثقافة و فنون

اللقاء المتأخر: بسام كوسا بلسان العقل المجروح

فهد عربي

بسام كوسا يكشف عن علاقته مع بشار الأسد وموقفه من نضال المشي في شوارع أوروبا

 

في بلدٍ ممزّق بالصراع، مشبع بالعاطفة، مثقل بالخسارات، يصبح الكلام الهادئ فعلاً نادراً، بل فعلاً شجاعاً.

الفنان السوري بسام كوسا الذي نتناول لقاءه هنا، لم يتحدث من موقع الاصطفاف، ولا من برجٍ أخلاقي، ولا من نشوة البطولة. بل يتحدث من مكانٍ أبسط وأقسى في آنٍ واحد: مكان العقل المتعب الذي يريد أن يفهم قبل أن يحاكم.

مكان العقل البارد، والإنسانية المتعبة، والنجاة الأخلاقية.

لم يكن الحوار مع بسام كوسا سياسياً بالمعنى الحزبي، ولا ثورياً بالمعنى الشعاري، بل محاولة لتهدئة عقل مجروح، عبر تفكيك الأوهام، وتخفيف الغضب، وإعادة الأشياء إلى حجمها الحقيقي.

قد تتفق أو تختلف معه سياسياً، لكن السؤال الأهم:

“هل ما زال ممكناً أن تحترم شخصاً لا يشبهك؟”

وهل يمكن أن تنصت لساعتين لصوتٍ لا يحرّضك، بل يدعوك إلى التفكير؟

بسام كوسا، حوار مصور حمل أبعاد مختلفة وكسر الصور النمطية - Bassam Kousa: A Filmed Interview Revealing New Dimensions and Breaking Stereotypes
بسام كوسا Bassam Kousa

في الحوار المصوّر على قناة “المشهد لايت“، تحدّث بسام كوسا بلسان العاطفة المكلومة، وبلغة العقل البارد، نقيضاً للغة “الرؤوس الحامية” التي انتقدها ورفض الانجرار إليها.

ومن هذه الزاوية سنقترب من أفكاره، مستندين إلى لغته هو، كما جاءت في حديثه عن عبثية الحياة، وثنائيات الأبيض والأسود، لينطلق منها نحو تقديمه أفكار صادمة لأصحاب الرؤوس الحامية كما وصفهم.



النجار أهم من الممثل، والطبيب ينقذ الروح

بدأ كوسا بتحطيم التماثيل الصنمية للمشاهير، وقال بوضوح: “طوّلوا بالكم”، في إجابة موجهة لعبدة الأضواء، من الساعين للشهرة السريعة.

يقول كوسا إن مارلون براندو وشارلي شابلن، بنجوميتهم المعروفة، قد لا يُذكرون إلا في المناسبات أو عبر سنوات عديدة.

ويسلّط الضوء على النجم الحقيقي من وجهة نظره، فقد يكون ذلك النجم النجار، أو المهندس، أو عامل النظافة، أو الطبيب “اللي بينقذ أرواح ناس”، موجهاً رسالة أن “الضوء والشهرة ما بيغشّوا، بيخدعوا”. وأن النجومية قد تكون أسهل مما يظن البعض، ولا تحتاج سوى لـ “ثلاث دعايات صابون”، وذلك في إشارة منه لعدم إعطاء البعض من النجوم أكثر من حجمهم الذي أخذوه في عصرنا اليوم.

لقد اعتبر كوسا الفن حرفة نبيلة، لكنها ليست منقذة، حسب وصفه، مبيّناً أن هذا الكلام ليس تواضعاً زائفاً، بل هو إنقاذ للفن من عبء السياسة، وإنقاذ للمواطن من عبء توقّع المستحيل من نجومه.

مهمتي أن أضيء، لا أن أقرّر

هنا قلب كوسا الطاولة على طريقة تلقّينا للدراما، فقال: “الفن ممنوع يقدّم حل”، معتبراً أن مهمته واحدة فقط، وتكمن في: “إلقاء الضوء على مشاكل المجتمع”.

أما الحل، فموكل إلى “المؤسسات المعنية”. وضرب مثالاً: “بتقول عندي مشكلة بالقضاء، بس ممنوع تقول له الحل شو هو، بتيجي مؤسسة القضاء هي بتحلها”. ثم وجّه إصبع اتهام لنا، أي المشاهدين: “المشاهد يعتقد إنو الممثل أكثر فهماً منه… وهذا عيب بالتلقي”.

وبهذه الكلمات، جاء كوسا ليضرب بضربة واحدة عدة أهداف، فحرّر نفسه كفنان من المسؤولية السياسية، ووجّه الضوء إلى مؤسسات فاشلة لتتحمّل عبء فشلها، وطلب من المشاهد كسر الصورة النمطية المأخوذة عن الفنانين، بأنهم نخب المجتمع، وبالتالي يجب أن يكونوا أكثر فهماً، معتبراً ذلك عيباً في التلقي عند المشاهد.

المسؤولية - Responsibility
بسام كوسا Bassam Kousa

حمى الرؤوس الحامية، واللقاح لا يكون بالشتائم

استند كوسا خلال فترات المقابلة إلى مفهوم الرؤوس الحامية، والذي دفع ثمنه باكراً، عندما دعا إلى “معارضة وطنية” مع بدايات الحراك الشعبي، والذي لم ينل منها سوى الشتائم من الداخل والخارج السوري على حدّ سواء، وفقاً لتأكيده.

ويعتقد الممثل السوري أن أصحاب الرؤوس الحامية هم المرض بعينه، إذ إن تلك الفئة لا تزال “تطلق الأهازيج، والتكفير، والتخوين، والحرية، والمؤامرة وغيرها”. ساخراً من التحوّل المفاجئ في مواقف الكثير من السوريين على اختلاف مواقعهم بقوله: “طلع في واحد بيعرف كل شي… واحد صار جيفارا، وواحد صار ماركس، وواحد اقتصادي، وواحد بيعرف لوين رايحة الأمور من اليوم الأول”. داعياً: “كفى لأصحاب الرؤوس الحامية… مبيناً الحاجة لتيار ثالث”.

كما دافع كوسا عن موقفه الشخصي بقوله: “لي موقف، وموقفي لا يُبنى على شتيمة الطرف الآخر الذي يبني عليها كل طرف سرديته”، وذلك في تشخيص منه لحمّى المجتمع السوري بمرض الرؤوس الحامية كمرض سياسي، رافضاً أن يكون اللقاح عبر الشتائم أو التخوين أو غير ذلك.

نظام بشار الأسد استثماري لا طائفي

قدّم كوسا هنا تشخيصاً يختلف عمّا تروّجه النخب والأطراف السورية المتصارعة، حيث رفض الصفة الجاهزة: “أن نظام الأسد كان نظاماً طائفياً”، وقدّم بديلاً أعمق: “هو نظام استثماري”.

وأوضح: “أن الأسد كان يستثمر الدين، يستثمر الطائفة، يستثمر التجار، يستثمر الإعلام، يستثمر الفن… يستثمر كل شيء”. فكيف لا يستثمر الطائفية؟

لقد قام كوسا بهذا التحويل من “طائفي” إلى “استثماري”، محوّلاً العداء في المزاج الشعبي من بين مكونات الشعب إلى بين الشعب وآلة استغلال واحدة، ليهدّئ بها العداء الطائفي، ويركّز الغضب على الآلة الفاسدة.

العلاقة مع الأسد: خذلنا بوجوده وهروبه

في الجانب الأكثر جدلاً، والذي لم يرَ الإعلام السوري في المقابلة إلا هذا الجزء، تحدّث بسام كوسا عن لقاءاته مع الرئيس السابق، مبيّناً أنه التقى بالأسد لعدة مرات، أحدها كان لمساعدة موسيقي لم يكشف عن اسمه، ولقاء آخر بخصوص المراكز الثقافية.

وأوضح كوسا أن الأسد كان يحترمه، مفسّراً ذلك بقوله: “كان يحترمني لأني لم أطلب منه شيئاً نهائياً… ولم أتجمّل أمامه”. ويؤكد: “لم أحصل من النظام على أي شيء: لا مال، لا بيوت، لا مناصب، لا امتياز”.

لكن هذا الاحترام الشخصي لم يمنع كوسا من توجيه إدانة سياسية بقوله: “خذلنا بوجوده، وخذلنا بهروبه”.وفصل كوسا هنا بين العلاقة الإنسانية والمسؤولية السياسية، مظهراً للمشاهدين إمكانية أن تحترم إنساناً وتستاء من حكمه أو سلوكه، وهو درس بالغ في التعقيد الإنساني نفتقده.

كما تناول كوسا، نقيب الفنانين مازن الناطور بعد اتهامه لكوسا بـ”صديق بشار الأسد”، فقرر عدم الرد بالمثل، قائلاً: “لأني أكلت خبز وملح معه” – محترماً العلاقة الإنسانية – لكنه رسم خطاً أحمر بالقول: “حقك تتهمني، لكن لا تتهم عيلتي”.
فصل كوسا هنا بين النقد السياسي والاعتداء على الحرمة الشخصية.
بشار الأسد - Bashar al Assad
Kremlin.ru, CC BY 4.0, via Wikimedia Commons

التدجين والسردين

في معرض إجابات كوسا، باحثاً عن جذور الانهيار، وجد بدايتها في “المؤسسات”، وتحديداً في المؤسستين الأهم من وجهة نظره: “التعليم والقضاء”.

تحدّث عن فساد القضاء بوصفه “قضاء القوي على الضعيف”.

وتحدّث بشكلٍ أكثر إيلاماً عن التعليم بقوله: “عسكروا التعليم… الطلائع، الشبيبة، التدريب الجامعي”، واصفاً الهدف من ذلك بكلمة واحدة: “التدجين”.

وشبّه المجتمع الناتج بـ “معلّبات سردين… الأولاد بيغنّوا مثل بعض، والمجتمع بيحكي مثل بعض”. وهذا ما ارتكزت عليه سياسة الحكم والسيطرة، محوّلةً الناس إلى سلع معبّأة مطيعة، وهو ما فجّر الغضب لاحقاً، وفقاً لرأيه.

لاعب السيرك ورقصة لا يموت الذيب ولا يفنى الغنم

وجّه المحاور سؤالاً مباشراً لعدة مرات حول كيفية عمل الفنان تحت الرقابة، وهنا أوضح كوسا أن “الرقابة موجودة بكل دول العالم”. وتحدّث بلغة أكثر حزماً بعد تكرار سؤال المذيع حول الرقابة، ليردّ عليه: “لا حدا يتشاطر”.

لكنه قدّم في الوقت ذاته الحل في “التحايل على الرقابة”، حيث شبّه الفنان بـ “لاعب سيرك” يعتمد مبدأ “لا يموت الذيب ولا يفنى الغنم”.

موضحاً أن عمل الفنان رفع السقف، وعمل الرقابة إعادة الدفع نحو الأسفل، وهذا صراع مستمر لا ينتهي بفوز أحدهما على الآخر.

وروى الممثل السوري قصة عن أحد أعماله، عندما كتب حلقة بعنوان “استعمار وطني”، حيث رفضت الرقابة العنوان، فوافق على تغييره إلى “استعمار” فقط كما رأت النقابة، لكن المحتوى بقي كما هو.

واعتبر هنا أن الفنان الذكي، هو من يوصل فكرته عبر ثغرات النظام والرقابة.

النضال ليس مشياً في شوارع أوروبا

دافع كوسا عن مسألة بقائه في الوطن خلال سنوات الأزمة كموقف مبدئي، بعيداً عن التبرير، وقال: “عرضوا عليّ كثير أطلع مقابل مادي مجزٍ، بس ما طلعت”. لماذا؟ “أنا ما بقيت مشان حدا… أنا باقي لأنه هذا البلد، أنا عايش فيه”.

مؤكداً أن من بقي في الوطن في فترة حكم الأسد هم 15 مليون سوري، فهل من المعقول أن تُدينهم لأنهم بقوا في وطنهم، رغم تحمّلهم مآسي الحرب التي قد تكون أهلية، كما وصف.

وسخر كوسا بذكاء من “نضال” البعض: “هل المشي في شوارع أوروبا يجعلني مناضلاً؟”. كما هاجم آفة التخوين: “الرغبة بالتخوين وتوزيع شهادات الوطنية أمر معيب”.

لقد دافع كوسا عن حق الجميع، من بقي ومن رحل، وحطّم عصا “شهادة الوطنية” التي يضرب بها السوريون بعضهم.

كما كشف عن مرض اجتماعي بقوله: “ما استنتجته أنني يجب أن أتحدث بلغته كي أكون منيح من وجهة نظره”، رافضاً ذلك: “لا يوجد آمر وناهٍ كي يقرر درجة المواطنة”.

يرفض الفنان السوري أن يكون هناك حارساً على لغتنا وأفكارنا من قبل ” الطرف الآخر”، سواء كان نظاماً أو معارضة، رافضاً الكذب، وفاضحاً قابضي الأموال والصور النمطية للنضال القائمة على شتم الآخر وتكفيره وتخوينه فقط.

ما في ديمقراطية

كما هاجم كوسا مقدسات السياسة الحديثة (الجانب الديمقراطي) قائلاً: “لا يوجد حتى بالديمقراطية نفسها ديمقراطية”. وبرّر: “من غير المعقول أن يُقتل نصف سكان الأرض كي تتحقق الديمقراطية”.

مردفاً عن الحرية بالقول: “لا يوجد حرية… فقد يسمحون لي أن أشجب، وأندّد، وأتظاهر، ولكنهم يفعلون ما يريدون”.

كان كوسا هنا ملتزماً بحدود الواقعية، لا من باب التشاؤم، بقدر ما هو فضح للازدواجية، وكسر وهم الحلول المستوردة الجاهزة التي عملت بها النخب السياسية والثقافية السورية، ولا زالت حتى اليوم بشعارات مختلفة.

لعنة الجغرافيا واستثمار ضعاف النفوس

قدّم كوسا تحليلاً جيوسياسياً: “لعنة الجغرافيا في بلاد الشام والعراق… حيث إن المنطقة تاريخياً مستعمَرة”. قال إن سوريا “منطقة حيوية… تربط ثلاث قارات”، ولذلك “كل حضارة قويت لا بدّ لها من أن تحتل هذه المنطقة”.

وحذّر من أخطر الآفات: “أخطر الأشياء هو استثمار ضعف الناس”.

لينقل بذلك المسؤولية من الشعب السوري المنقسم إلى لعبة القوى الكبرى على أرضه، مقلّلاً من لوم الذات، ومقدّماً تفسيراً تاريخياً لمعاناتنا.

وفي ظل هذا الصراع، رفض كوسا مصطلح التنحية بالنفس عن الوطن والناس، فقال: “نحّيت نفسي –  راقبت المشهد”، بهدف “البحث عن فكرة النجاة بالآراء والأفكار والحياة دون صدام لا نتيجة له”.

وذكر قيمة لم يتنازل عنها، مبيّناً أنه لم يرَ سبباً ليكذب: “لماذا أكذب؟”، كي يحافظ على نفسه.

محاسبة لا انتقام… سوريا عم تضيع

انتقل كوسا من التحليل إلى المطلب، فقال: “ضرورة محاسبة من أوغل بالدم السوري دون أن يأخذ ذلك طابع الانتقام”.

ووجّه نداءً للسوريين: “سوريا عم تضيع، حاولوا إنقاذها”، محدّداً هدف فنه: “بدنا نوصل أفكار ووجهات نظر، وأن الحياة لا بد أن تستمر”.

ليتجاوز بذلك دور الناقد إلى دور المواطن المسؤول، فالمحاسبة “دون انتقام” هي الضمان الوحيد لكسر دوامة العنف.

“الفن ضعيف” و”ممنوع تطلب”

أنهى كوسا الحديث عن المهنة قائلاً “هذه المهنة هي مهنة من يُطلَب ولا يَطلُب”. واعترف بواقع مرّ: “الفن ضعيف، وهو أول قطاع يتأثر بالأزمات”.

وشرح سبب تراجع الفن، رافعاً من شأن الفنان الذي يحافظ على كرامته بألّا يَطلب.

بسام كوسا - Bassam Kousa
بسام كوسا Bassam Kousa

لقد جاءت مقابلة كوسا لا لتقدّم حلولاً، بل لتقدّم أدوات تفكير: مصطلحات، وتشبيهات، وأمثلة، وفصلاً بين ما هو إنساني وما هو سياسي.

ربما يكون قد رسم، دون أن يدري، خريطة أولية للخلاص: عندما نتحوّل من “رؤوس حامية” إلى “رؤوس باردة”، ونرفض أن يقرّر أحد “درجة وطنيتنا”، ونبحث عن “النجاة” دون كذب.

في النهاية، كان لقاء بسام كوسا رسالة إلى السوريين: يمكنك أن تنتقد بلا شتيمة، وتحترم بلا خضوع، وتبقى بلا ندم، وتهرب بلا خجل. يمكن أن تكون إنساناً في زمن يحاولون فيه سلبك إنسانيتك.

هذه ليست فلسفة فقط، بل وصفة للبقاء.


اقرأ أيضاً:
القصة التي لم تُروَ عن عيد الشكر… من مأساة الـ Mayflower إلى مائدة أميركا الحديثة

قيم هذا المقال | Rate this post

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى