إقتصاد و أعمالاقتصاد عربيالجريدة

تايلاند والكويت على خط النار الاقتصادي: دعم حكومي للنمو المحلي يمنع انزلاقاً عالمياً أعمق

تايلاند والكويت: موجة دعم حكومي للنمو المحلي في زمن اللا يقين

بين اقتصاد آسيوي يعتمد على الشركات الصغيرة والمتوسطة مثل تايلاند، واقتصاد خليجي يعتمد على النفط مثل الكويت، يبرز نمط مشترك: تدخل مباشر من الدولة عبر دعم حكومي للنمو المحلي في لحظة يتراجع فيها اليقين حول الاقتصاد العالمي، وتتزايد فيها المخاطر الجيوسياسية والمالية.

أقرت حكومة تايلاند حزمة دعم بقيمة تُقارب 267 مليار بات (نحو 8.3 مليار دولار) موجهة بالأساس إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تعاني من أزمة سيولة وتراجع في الطلب، مع توقع أن تضيف هذه الحزمة حوالي 0.36 نقطة مئوية إلى النمو في عام 2026، في وقت يدور فيه النمو الفعلي حول 1% فقط في الربع الأخير من 2025.

في المقابل، أعلنت الكويت أن طاقتها الإنتاجية من النفط بلغت نحو 3.2 مليون برميل يومياً، وهو مستوى يعد من الأعلى تاريخياً، وتستعد لرفع إنتاجها الفعلي إلى حدود 2.559 مليون برميل يومياً في إطار اتفاقات أوبك بلس، ما يجعل النفط أداة مركزية في تمويل برامج التنمية والنمو، وفي توفير دعم حكومي للنمو المحلي عبر الإيرادات العامة ومشاريع الرؤية 2035.

ما الذي تغيّر؟ من دعم طارئ إلى دعم موجّه للنمو المحلي

في السنوات الأولى التي تلت جائحة كورونا، كان الدعم الحكومي في معظم دول العالم ذا طابع طارئ: إعفاءات ضريبية، تحويلات نقدية، وتأجيل أقساط. الجديد اليوم هو الانتقال إلى دعم حكومي للنمو المحلي يحمل طابعاً أكثر استدامة واستهدافاً.

في تايلاند، تتحول السياسة من إنقاذ عام إلى حزمة دعم حكومي للنمو المحلي تستهدف الشركات القابلة للاستمرار، من خلال قروض ميسّرة وضمانات ائتمان موزعة عبر البنوك المملوكة للدولة، بحيث تذهب السيولة إلى قلب الاقتصاد الحقيقي وليس فقط إلى سد فجوات مؤقتة.

أما في الكويت، فيتمحور التغيير حول الاستثمار في زيادة القدرة الإنتاجية للنفط، والتحضير لنظام حصص جديد داخل أوبك بلس يعتمد على “الطاقة الإنتاجية المستدامة القصوى”. هذا يعني أن كل برميل إضافي من القدرة الإنتاجية يُترجم إلى ورقة تفاوضية أقوى وحصة أكبر في السوق، وبالتالي إلى دعم حكومي للنمو المحلي عبر عوائد نفطية يمكن توجيهها لتمويل مشاريع البنية التحتية والتنويع الاقتصادي.

اللاعبون الأساسيون ومصالحهم في تايلاند والكويت

تايلاند: حكومة تبحث عن هوامش مناورة داخلية

في تايلاند، يتحرك صانعو القرار بين ضغوط بطء النمو وارتفاع الدين العام ومديونية الأسر. الحكومة والبنك المركزي يعملان على تصميم دعم حكومي للنمو المحلي يحافظ على الاستقرار دون أن يدفع بالديون إلى مستويات غير قابلة للإدارة.

الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تشكل العمود الفقري للتوظيف والناتج، هي المستهدَف الأول بهذه الحزمة. فهي الأكثر عرضة للإفلاس في فترات الركود، والأكثر قدرة على إعادة تشغيل عجلة الاقتصاد إذا توفرت لها السيولة. القطاع المصرفي بدوره يتلقى إشارة سياسية واضحة لتوسيع الإقراض مع تقاسم المخاطر مع الدولة عبر ضمانات قروض.

الكويت والخليج: شركات النفط وصنّاع السياسات

في الكويت، تتصدر وزارة النفط والشركات النفطية الوطنية واجهة المشهد، حيث يجري الاستثمار في زيادة القدرة الإنتاجية لتثبيت موقع الدولة داخل أوبك بلس. الهدف ليس فقط زيادة الصادرات على المدى القصير، بل تأمين قاعدة مالية تسمح بتوفير دعم حكومي للنمو المحلي في مجالات البنية التحتية والخدمات والقطاع غير النفطي.

وزارة المالية والجهات الاقتصادية تستفيد من تحسن الإيرادات البترولية لتمويل الرواتب وبرامج الدعم ومشاريع التنمية، في وقت تشجع فيه المؤسسات الدولية على استغلال هذه الفرصة لتسريع التنويع الاقتصادي وتقليص الاعتماد على النفط وحده. وعلى مستوى أوسع، تستفيد دول مجلس التعاون مجتمعة من توقعات نمو مدعومة بزيادة الإنتاج النفطي وتحسن مساهمة القطاعات غير النفطية.

التكاليف الاقتصادية والاستراتيجية للدعم الحكومي للنمو المحلي

في آسيا: حالة تايلاند

حزمة دعم حكومي للنمو المحلي في تايلاند تحمل كلفة مالية مباشرة على الموازنة. التوسع في القروض الميسّرة وضمانات القروض يعني تحمل الدولة جزءاً من المخاطر الائتمانية، في وقت تُوصَف فيه مستويات الدين العام بأنها مرتفعة لكنها ما تزال قابلة للإدارة بشرط ضبط الإنفاق مستقبلاً.

الخطر الأكبر يتمثل في سوء تخصيص الموارد: إذا ذهب جزء كبير من التمويل إلى شركات ضعيفة الإنتاجية أو غير قابلة للاستمرار، فإن الحزمة تتحول من دعم حكومي للنمو المحلي إلى مجرد تأجيل لموجة إفلاسات قادمة. كذلك، من دون إصلاحات موازية في مجالات الرقمنة، وسوق العمل، وتحسين بيئة الأعمال، قد تبقى معدلات النمو أقل من إمكانات الاقتصاد الحقيقية.

في الخليج: حالة الكويت

في الكويت، يرتبط الدعم الحكومي للنمو المحلي بشكل وثيق بدورة أسعار النفط. زيادة القدرة الإنتاجية تعزز الإيرادات على المدى المتوسط، لكنها تعمّق أيضاً ارتباط الاقتصاد بمسار سلعة واحدة متقلبة. أي هبوط حاد في الأسعار أو تحول سريع في الطلب العالمي نحو الطاقات النظيفة قد يضع المالية العامة تحت ضغط.

من زاوية أخرى، الاستثمار المكثف في النفط اليوم قد يصطدم لاحقاً بالتزامات بيئية وتحولات في مزيج الطاقة العالمي. وإذا لم تُستخدم فوائض النفط لدفع إصلاحات رؤية 2035 وتنشيط القطاعات غير النفطية، سيظل الاقتصاد عرضة لدورات صعود وهبوط مرتبطة بالأسعار العالمية، ما يحد من فعالية الدعم الحكومي للنمو المحلي على المدى الطويل.

المؤشرات التي تكشف اتجاه الأزمة أو التعافي

للحكم على نجاح أو فشل استراتيجيات الدعم الحكومي للنمو المحلي في تايلاند والكويت، يمكن مراقبة ثلاث مجموعات رئيسية من المؤشرات:

1. مؤشرات النمو والتوظيف المحلي

في تايلاند، سيكون التحدي هو رفع النمو من مستويات قريبة من 1–1.5% إلى مستويات أعلى من 3% في الأجل المتوسط، مع انخفاض في معدلات إفلاس الشركات الصغيرة واستقرار أو ارتفاع في مستويات التوظيف.

في الكويت، تتجه الأنظار إلى نمو القطاعات غير النفطية، وإلى قدرة الاقتصاد على خلق فرص عمل جديدة للشباب بعيداً عن القطاع العام، بحيث يتحول النفط من مصدر وحيد للنمو إلى ممول لبرامج تنويع أوسع.

2. مؤشرات الاستدامة المالية

في تايلاند، نسبة الدين العام إلى الناتج، وكلفة خدمة الدين، وسلوك أسعار الفائدة العالمية هي عناصر حاسمة. إذا أدى الدعم الحكومي للنمو المحلي إلى تضخم كبير في الدين دون زيادة مقابلة في النمو، فإن الاستدامة المالية تصبح محل تساؤل.

في الكويت، العجز أو الفائض في الموازنة العامة، ومستوى الاحتياطيات المالية، ومدى تنويع مصادر الإيرادات، كلها عناصر تحدد مدى قدرة الدولة على الاستمرار في تمويل مشاريع التنمية والدعم خلال فترات هبوط أسعار النفط.

3. مؤشرات ثقة المستثمرين

ثقة المستثمرين المحليين والأجانب تعد مقياساً عملياً لنجاح سياسات الدعم الحكومي للنمو المحلي. زيادة الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتحسن تقييمات التصنيف الائتماني، وتراجع علاوات المخاطر، كلها إشارات إلى أن الأسواق ترى في هذه السياسات مساراً مستداماً وليس مجرد استجابة مؤقتة للأزمات.

العامل الداخلي في كل طرف: السياسة والشارع والقطاع العام

تايلاند: توازن حساس بين الشارع والإصلاح

في تايلاند، لا يجري الدعم الحكومي للنمو المحلي في فراغ سياسي. الحكومة تواجه ضغوطاً من الشارع المتأثر بارتفاع كلفة المعيشة وبطء تحسن الأجور، فيما تطالب قطاعات واسعة بالمزيد من الدعم والاستثمارات العامة.

هذا السياق قد يدفع صانعي القرار نحو حلول شعبوية قصيرة الأجل إذا لم تُصمَّم السياسات بعناية، ما يزيد خطر تراكم الديون ويضعف فرص الإصلاح الهيكلي المطلوب لرفع الإنتاجية على المدى البعيد.

الكويت والخليج: العقد الاجتماعي والقطاع العام

في الكويت، يشكل القطاع العام الكبير والدعم الواسع للسلع والخدمات جزءاً من العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطنين. أي تغيير جوهري في هذا العقد يحتاج إلى بدائل مقنعة في سوق العمل والقطاع الخاص، وإلى سردية تنموية جديدة توضح كيف يمكن أن يتحول الدعم الحكومي للنمو المحلي من تحويلات مباشرة إلى استثمارات منتجة.

هذا الواقع يجعل وتيرة الإصلاح أبطأ في بعض الأحيان، ويضع صانعي القرار أمام معادلة صعبة: كيفية الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي وفي الوقت نفسه تنفيذ إصلاحات ضرورية لضمان استدامة النمو في عالم متغير.

مسارات الدعم الحكومي للنمو المحلي

 تعميق الدعم وتعزيز النمو

في هذا السيناريو، تنجح حزمة تايلاند في إنعاش الشركات الصغيرة والمتوسطة، وترافقها إصلاحات هيكلية في بيئة الأعمال والرقمنة وسوق العمل، ما يؤدي إلى ارتفاع مستدام في النمو وخلق فرص عمل جديدة.

في الكويت، يتم توظيف عوائد النفط المتزايدة في مشروعات رؤية 2035، وتتحول فوائض النفط إلى استثمار في التعليم، والابتكار، والبنية التحتية، والقطاعات غير النفطية، بحيث يصبح الدعم الحكومي للنمو المحلي رافعة لتحول اقتصادي حقيقي وليس مجرد توسع في الإنفاق الجاري.

هذا السيناريو يعتمد على استمرار الطلب العالمي على النفط عند مستويات داعمة، وعلى استقرار نسبي في أسعار الفائدة، والأهم على إرادة سياسية قوية لتجاوز منطق الحلول المؤقتة نحو إصلاحات أعمق.

سيناريو المراوحة: نمو موجود لكنه غير كافٍ

هنا يحقق الدعم الحكومي للنمو المحلي نتائج متوسطة: ترتفع معدلات النمو قليلاً في تايلاند لكنها تبقى دون الإمكانات الكامنة، وتتحسن بعض مؤشرات سوق العمل دون تغيير هيكلي كبير في الاقتصاد.

في الكويت، تستمر دورة النمو المرتبطة بأسعار النفط والإنتاج، مع تحسن محدود في القطاعات غير النفطية، بينما تبقى إصلاحات بيئة الأعمال وسوق العمل والتشريعات الاقتصادية بطيئة ومتقطعة.

هذا السيناريو هو الأقرب في حال استمرار “الحد الأدنى من الإصلاح” دون اتخاذ قرارات استراتيجية كبيرة، وفي ظل بيئة عالمية تتسم بنمو ضعيف لكنه ليس ركودياً بالكامل.

سيناريو الضغط والتراجع: من دعم إلى عبء

في هذا المسار، تتحول حزم الدعم الحكومي للنمو المحلي إلى عبء على المالية العامة. في تايلاند، قد يؤدي ضعف تعافي الطلب العالمي إلى تعثر الشركات المقترِضة، ما يزيد من مخاطر الديون المتعثرة ويضغط على البنوك والدولة معاً.

في الكويت، يمكن لانخفاض حاد في أسعار النفط أو لتسارع التحول نحو الطاقة البديلة أن يقلص الإيرادات ويدفع الموازنة نحو عجز مرتفع، ما يفرض تقشفاً مفاجئاً ويضع مشاريع التنمية والتنويع في حالة تجميد أو تأجيل.

احتمال هذا السيناريو منخفض–متوسط على المدى القصير، لكنه يرتفع على المدى المتوسط إذا تأخر تطبيق إصلاحات حقيقية، وإذا استمرت الاقتصادات في الاعتماد المفرط على أدوات دعم قصيرة الأجل دون بناء قواعد نمو منتجة.

وحدة التبعات: أثر الدعم الحكومي للنمو المحلي على الإقليم والعالم

على الإقليم والاقتصاد العالمي

نجاح سياسات الدعم الحكومي للنمو المحلي في آسيا والخليج يعني وجود رافعة إضافية للنمو العالمي خارج نطاق الاقتصادات المتقدمة. تايلاند والكويت وأمثالهما يمكن أن تشكّل مصادر استقرار في التجارة وسلاسل الإمداد وأسواق الطاقة إذا استطاعت تحقيق توازن بين الدعم والاستدامة.

في المقابل، فشل هذه السياسات أو تحولها إلى عبء مالي قد يضيف طبقة جديدة من المخاطر للنظام المالي العالمي عبر أزمات ديون أو تقلبات حادة في أسعار النفط، ما ينعكس مباشرة على التضخم وأسعار الفائدة والاستثمارات.

على الأسواق والطاقة

استراتيجية دول مثل الكويت في رفع الطاقة الإنتاجية للنفط ضمن نظام حصص قائم على القدرة الإنتاجية قد تشعل سباق استثمار بين المنتجين الكبار، يؤثر في أسعار النفط واستثمارات الطاقة البديلة في العالم. هذا بدوره سيحدد شكل الدعم الحكومي للنمو المحلي في الدول المنتجة خلال العقد المقبل.

على اقتصادات شرق المتوسط

بالنسبة لدول شرق المتوسط، يمثل نجاح الدعم الحكومي للنمو المحلي في آسيا والخليج فرصة لاستقطاب استثمارات في الموانئ، واللوجستيات، والطاقة، والبنية التحتية، وبناء جسور تجارية تربط آسيا والخليج بموانئ المنطقة.

أما إذا تعثرت تلك السياسات، فمن المحتمل أن تنكمش شهية الاستثمار الخارجي، وتتراجع تحويلات العاملين، ويصعب الوصول إلى التمويل في الأسواق العالمية، ما يضيف ضغوطاً إضافية على اقتصادات هشة أصلاً.

لماذا الدعم الحكومي للنمو المحلي مهم؟

الأهمية الحقيقية لسردية الدعم الحكومي للنمو المحلي تكمن في أنها لم تعد مجرد قضية داخلية. قرارات حكومات بحجم تايلاند أو الكويت باتت تؤثر على مسار التجارة العالمية وأسعار الطاقة وتدفقات رأس المال نحو الاقتصادات الأصغر في آسيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

في عالم يتميز بنمو أقل وهشاشة أعلى، يصبح شكل الدعم الحكومي وتصميمه عاملاً فارقاً بين دول تنجح في حماية قواعدها الإنتاجية وفتح آفاق جديدة للنمو، ودول تكتفي بتأجيل الأزمات عبر حلول قصيرة الأجل.

مرحلة حاسمة: بين دعم حكومي للنمو المحلي وإصلاحات لا يمكن تأجيلها

المعادلة لم تعد ببساطة: دعم حكومي أم لا. السؤال الحقيقي بات: ما نوع الدعم الحكومي للنمو المحلي، ولأي نموذج نمو يعمل، وعلى أي أفق زمني؟

تايلاند إذا اكتفت بحزم إنقاذ دون تحسين الإنتاجية ستجد نفسها في فخ نمو ضعيف مع دين مرتفع. والكويت إذا اكتفت بتوسيع قدرة النفط دون تسريع التنويع ستبقى رهينة دورة سلعة واحدة. في الحالتين، الدعم الحكومي يمكن أن يكون إما جسراً نحو اقتصاد أكثر تنوعاً وصلابة، أو حلقة جديدة في سلسلة تأجيل الإصلاح.

الرسالة الأوسع لآسيا والخليج وشرق المتوسط أن الدعم الحكومي للنمو المحلي ضروري في زمن اللايقين، لكنه يصبح حقاً جزءاً من الحل فقط عندما يتحول من “مسكن” إلى رافعة لإصلاحات أعمق تعيد تشكيل طريقة إنتاج الثروة وتوزيعها داخلياً، وتمنح الاقتصادات قدرة أكبر على الصمود أمام صدمات المستقبل.

قيم هذا المقال | Rate this post

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى