من الشقيف إلى الزهراني وصور.. هل تُرسم خريطة جنوب لبنان الجديدة بين الغارات والمفاوضات؟

بينما كانت الطائرات الإسرائيلية تنفذ واحدة من أوسع موجات الغارات على جنوب لبنان منذ أسابيع، كانت بيروت وواشنطن تتحدثان في الوقت نفسه عن جولات تفاوض جديدة ومسارات سياسية وأمنية يفترض أن تحدد مستقبل الجبهة الجنوبية. هذه المفارقة تجعل من أحداث 30 أيار أكثر من مجرد يوم تصعيد عسكري. فالمشهد الحالي يجمع بين توسع العمليات الميدانية من الشقيف والنبطية وصولاً إلى الزهراني وصيدا، وبين تحركات دبلوماسية متسارعة تتناول وقف إطلاق النار ومستقبل الحدود والترتيبات الأمنية جنوب لبنان. وبينما تتواصل الغارات والصواريخ والطائرات المسيّرة، يبرز سؤال أساسي: هل يجري التحضير لمرحلة جديدة في جنوب لبنان تُرسم معالمها بالنار والتفاوض معاً؟

من الشقيف إلى الزهراني.. خريطة المواجهة تتسع
أظهرت تطورات الساعات الأخيرة اتساعاً واضحاً في رقعة العمليات العسكرية.
فالغارات الإسرائيلية طالت النبطية وكفرتبنيت وكفررمان وشوكين وزبدين وميفدون وجبشيت وقعقعية الجسر، فيما استمرت العمليات في محيط قلعة الشقيف التي تحولت خلال الأيام الأخيرة إلى إحدى أكثر النقاط سخونة على الجبهة الجنوبية.
لكن التطور الأبرز تمثل في انتقال الإنذارات والضربات إلى نطاقات أبعد شمالاً، شملت المروانية واللوبية وأنصارية وتفاحتا وزفتا ومناطق تقع بين الليطاني والزهراني.
هذا الاتساع الجغرافي لا يعكس فقط كثافة العمليات العسكرية، بل يشير إلى تغير في طبيعة المشهد الميداني مقارنة بالمراحل السابقة التي كانت تتركز بصورة أكبر على القرى الحدودية المباشرة.

صور التاريخية تدخل دائرة الضغط
لم تقتصر التطورات على القطاع الشرقي من الجنوب.
فقرى وبلدات تقع ضمن المجال الجغرافي لمدينة صور شهدت بدورها غارات واستهدافات متكررة، من بينها معروب والعباسية وطيردبا وصريفا والغندورية.
وتحمل صور أهمية خاصة في الوجدان اللبناني وفي الجغرافيا السياسية للجنوب، إذ تعد إحدى أقدم المدن المأهولة في شرق المتوسط وتضم مواقع أثرية مدرجة على قائمة التراث العالمي، كما تشكل مركزاً سكانياً وخدماتياً رئيسياً في جنوب لبنان.
لذلك فإن أي تصعيد يمتد لها لا يُنظر إليه فقط من زاوية عسكرية، بل أيضاً من زاوية تأثيره على واحدة من أهم المدن التاريخية والسكانية في البلاد.
من القرار 1701 إلى واقع ميداني جديد
منذ صدور القرار 1701 عقب حرب تموز 2006، استندت معادلة الجنوب إلى وقف الأعمال العدائية وانتشار الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل على طول المنطقة الحدودية.
لكن التطورات التي شهدتها الجبهة منذ خريف 2023 أعادت طرح أسئلة جديدة حول مستقبل هذه المعادلة، خصوصاً مع اتساع نطاق العمليات العسكرية وتبدل قواعد الاشتباك التي حكمت المنطقة لسنوات. وفي هذا السياق، يمكن العودة إلى متابعة التطورات الإقليمية المرتبطة بجنوب لبنان والتوازنات العسكرية في المنطقة.
ويرى مراقبون أن المشهد الحالي يعكس تراجعاً تدريجياً للحدود غير المعلنة التي كانت تضبط المواجهة بين الجانبين، مع انتقال الضربات إلى مناطق أبعد من نطاق الاحتكاك التقليدي.
هل تحاول إسرائيل فرض نطاق أمني جديد؟
رغم عدم وجود إعلان إسرائيلي رسمي عن إقامة منطقة أمنية جديدة داخل الأراضي اللبنانية، فإن نمط العمليات الأخيرة يثير نقاشاً متزايداً بين المراقبين حول طبيعة الأهداف الاستراتيجية للتصعيد الحالي.
فالإنذارات المتكررة التي دعت سكان عدد من البلدات إلى التوجه شمال الزهراني، إلى جانب استمرار الضربات في نطاق يمتد من الشقيف والنبطية إلى أجزاء من الزهراني، دفعت بعض المتابعين إلى التساؤل عما إذا كانت إسرائيل تسعى إلى فرض واقع أمني جديد يتجاوز حدود المواجهة التقليدية التي سادت منذ حرب تموز 2006.
ويرى أصحاب هذا الطرح أن الهدف قد يكون منع إعادة تموضع أي بنى أو قدرات عسكرية في مناطق تعتبرها إسرائيل جزءاً من معادلة الردع الجديدة التي تحاول تكريسها بعد الحرب.
في المقابل، يتمسك لبنان رسمياً بتطبيق القرار 1701 وبالمرجعيات الدولية القائمة، رافضاً أي تعديل أحادي الجانب في الواقع الحدودي أو الأمني.
واشنطن تدخل على خط الجنوب
بالتوازي مع التصعيد الميداني، برزت خلال الساعات الأخيرة مؤشرات سياسية لافتة.
فالرئاسة اللبنانية أكدت متابعة نتائج الاجتماعات التي عُقدت في واشنطن بين وفود لبنانية وأميركية وإسرائيلية، كما جرى الحديث عن جولة جديدة من المحادثات مطلع حزيران.
وفي الوقت نفسه، نقلت وسائل إعلام أميركية عن مسؤولين تأكيدهم أن المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل تمثل الطريق الوحيد نحو استقرار طويل الأمد.
وتعكس هذه التحركات استمرار المسار الدبلوماسي رغم ارتفاع منسوب المواجهة العسكرية، وهو أمر شهدته المنطقة في محطات سابقة حيث تقدمت المفاوضات أحياناً بالتوازي مع التصعيد الميداني. كما تتقاطع هذه التحركات مع ملفات إقليمية أوسع، من بينها المفاوضات المرتبطة بالملف النووي الإيراني والعلاقات الإقليمية.
نواف سلام: الدولة والمفاوضات وإعادة الإعمار
وجاءت تصريحات رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام لتضيف بعداً سياسياً إضافياً إلى المشهد.
فقد أكد تمسك الحكومة بمسار التفاوض باعتباره الخيار الأقل كلفة لمعالجة الأزمة، مع التشديد على أولوية وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار.
كما شدد على أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون بيد الدولة اللبنانية، داعياً إلى توحيد الجهود الوطنية تحت سقف المؤسسات الرسمية.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة لأنها صدرت في ذروة التصعيد العسكري، ما يعكس تمسك السلطة اللبنانية بالمسار السياسي بالتوازي مع متابعة التطورات الميدانية.
من تفاهم نيسان إلى ما بعد 1701
تاريخياً، لم تكن جولات التصعيد الكبرى على الجبهة اللبنانية تنتهي عند حدود الميدان.
فبعد عملية “تصفية الحساب” عام 1993 جاءت تفاهمات سياسية جديدة، وبعد “عناقيد الغضب” عام 1996 وُلد تفاهم نيسان، فيما أسفرت حرب تموز 2006 عن القرار 1701 الذي رسم الإطار الأمني السائد حتى السنوات الأخيرة.
ولهذا يرى عدد من المراقبين أن ما يجري اليوم قد يكون جزءاً من مرحلة انتقالية جديدة، خصوصاً في ظل تغير البيئة الإقليمية واتساع الضغوط الدولية المرتبطة بملفات الحدود والسلاح وإعادة الإعمار.
جنوب لبنان بين النار والسياسة
حتى الآن لا توجد مؤشرات حاسمة على قرب التوصل إلى تسوية شاملة، كما لا توجد إشارات واضحة إلى توقف التصعيد في المدى المنظور.
لكن ما يجري بين الشقيف والنبطية وصور والزهراني يوحي بأن الجنوب اللبناني يقف أمام لحظة مفصلية تتجاوز الحسابات العسكرية اليومية.
فالمواجهة الحالية لا تبدو مجرد تبادل للنيران عبر الحدود، بل صراع متداخل بين الميدان والسياسة، وبين الوقائع التي تُفرض بالقوة والتحركات التي تُصاغ على طاولات التفاوض.
وفي ظل استمرار الغارات والإنذارات والصواريخ، تبقى ملفات الأمن والاستقرار وإعادة الإعمار حاضرة بقوة في النقاشات الداخلية والدولية، كما ترتبط بصورة أوسع بمسائل الأمن الإقليمي والتداعيات طويلة المدى للأزمات الدولية.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل يشهد جنوب لبنان جولة تصعيد جديدة فقط، أم أن المنطقة تدخل مرحلة إعادة تشكيل قد تحدد شكل الحدود الأمنية والسياسية لسنوات مقبلة؟
تقارير ومتابعات وكالة رويترز حول التطورات الإقليمية والتحركات الدبلوماسية المرتبطة بالمنطقة.








