تحليل السياسة العالميةلبنان

تلة علي الطاهر.. «الكنز» الإسرائيلي أم بداية الخديعة؟

تحليل السياسة العالمية | قراءة تحليلية

بعد إعلان الجيش الإسرائيلي تحقيق «سيطرة عملياتية» على مرتفعات علي الطاهر في جنوب لبنان، تحولت المنطقة إلى واحدة من أبرز عناوين المواجهة العسكرية مع حزب الله، وسط احتفاء إسرائيلي بالعملية وتأكيد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن المنطقة «لم تعد تشكل تهديدًا لإسرائيل».

لكن إعلان السيطرة لا يغلق ملف علي الطاهر بقدر ما يفتح الباب أمام أسئلة تتجاوز النتائج الميدانية المباشرة للعملية.

فالمسألة لا تقتصر على ما وجدته إسرائيل داخل المرتفع أو حجم الخسائر التي لحقت بحزب الله، بل تمتد إلى سؤال أكثر ارتباطًا بموازين الحرب: هل كانت علي الطاهر بالفعل «الكنز» العسكري والاستراتيجي الذي صُورت عليه، أم أن قيمة الموقع جرى تضخيمها إلى درجة تجاوزت أهميته الفعلية داخل منظومة حزب الله؟

ماذا نعرف عن علي الطاهر؟

تقع مرتفعات علي الطاهر على بعد نحو 15 كيلومترًا من الحدود مع إسرائيل، وترتفع قرابة 600 متر عن سطح البحر، ما يمنحها إطلالة واسعة على جنوب شرق لبنان.

وسبق لإسرائيل أن سيطرت على المنطقة خلال احتلالها جنوب لبنان الذي انتهى عام 2000.

ومع الحرب الحالية، عادت المرتفعات إلى قلب الحسابات العسكرية، خصوصًا بعدما وصفها الجيش الإسرائيلي بأنها إحدى «نقاط التركيز الرئيسية» لعملياته.

وتكتسب المنطقة أهمية جغرافية إضافية لكونها تربط المناطق الحدودية جنوبًا بإقليم التفاح شمالًا، وهي منطقة ارتبطت تاريخيًا بالبنية اللوجستية والعملياتية لحزب الله.

وبحسب مصادر أمنية لبنانية تحدثت إلى وكالة رويترز، يُعتقد أن الحزب أنشأ داخل المرتفعات مركز قيادة تحت الأرض ومخازن للأسلحة.

كما أن ارتفاعها وموقعها يمكن أن يمنحا من يسيطر عليها قدرة على المراقبة وإطلاق صواريخ قصيرة المدى أو طائرات مسيّرة باتجاه شمال إسرائيل.

وتعرضت المنطقة خلال الأشهر الماضية لغارات إسرائيلية مكثفة، فيما دارت معارك مرتبطة بمنشآت تحت الأرض. ووفق تقارير إسرائيلية استندت إلى تحقيق عسكري، قُتل جندي إسرائيلي وأصيب 13 آخرون خلال عملية في يونيو للسيطرة على منشأة رئيسية تحت المرتفعات.

ماذا تعني «السيطرة العملياتية»؟

أعلنت إسرائيل إخلاء مقاتلي حزب الله من مسارات تحت الأرض وتحقيق سيطرة عملياتية على المنطقة، لكن الصورة الميدانية الكاملة لا تزال غير واضحة بشكل مستقل.

وتحدث مسؤول عسكري لبناني لـرويترز عن سيطرة إسرائيلية على المداخل الجنوبية للمنشآت ومراقبة المداخل الشمالية بالطائرات المسيّرة، في حين بقي مدى التوغل الإسرائيلي الفعلي داخل شبكة الأنفاق غير محسوم.

لذلك، لا يعني مصطلح «السيطرة العملياتية» بالضرورة سيطرة ميدانية تفصيلية على كامل البنية الموجودة تحت الأرض، إذ يمكن أن تشمل السيطرة بالنيران والمراقبة وإغلاق المداخل ومنع الخصم من استخدام الموقع بفاعلية.

ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين تحييد الموقع عسكريًا والسيطرة الكاملة على بنيته الداخلية.

هل وضع حزب الله «كنزه» في المكان الذي تعرفه إسرائيل؟

تفتح المعطيات الميدانية المجال أمام فرضية تحليلية لا تستند إلى معلومات خاصة ولا يمكن التعامل معها باعتبارها حقيقة مثبتة.

فمن منظور عسكري، يبرز سؤال جوهري: هل من المنطقي أن يحتفظ حزب الله بأحد أهم مراكز ثقله العسكري في موقع معروف لإسرائيل، سبق لها أن احتلته وتعرف جغرافيته، ثم تحول لاحقًا إلى واحدة من أكثر المناطق تعرضًا للمراقبة والاستهداف؟

وجود الأنفاق أو المخازن أو المنشآت العسكرية لا يلغي هذا السؤال.

فالهدف قد يكون حقيقيًا بالكامل، لكن المبالغة المحتملة قد تكمن في تقدير أهميته وليس في وجوده.

ماذا لو كانت الجائزة أكبر في الإعلام منها في الميدان؟

الخداع العسكري لا يتطلب بالضرورة إنشاء هدف وهمي، بل قد يقوم على إبقاء هدف حقيقي وإقناع الخصم بأنه يمثل مركز الثقل الرئيسي، بما يدفعه إلى تركيز جزء كبير من موارده العسكرية والاستخباراتية عليه.

وإذا كان حزب الله يدرك منذ سنوات أن علي الطاهر تقع تحت المراقبة الإسرائيلية، فمن المشروع التساؤل عما إذا كان قد أعاد توزيع مراكزه الأكثر حساسية بعيدًا عنها، مع الإبقاء على الموقع ضمن منظومته العملياتية أو الدفاعية.

وفي هذا السيناريو، تكون إسرائيل قد حققت إنجازًا ميدانيًا حقيقيًا، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أنها وصلت إلى قلب المنظومة العسكرية للحزب.

وقد يكون الموقع، في هذه الحالة، أدى وظيفة إضافية تتمثل في جذب جزء من القوة الجوية والاستخبارات والاستطلاع والعمليات البرية الإسرائيلية نحو هدف معروف مسبقًا.

وتظل هذه فرضية تحليلية لا يمكن إثباتها في المرحلة الحالية، لكن نتائج العمليات اللاحقة قد توفر مؤشرات تسمح باختبارها.

البعد الإيراني

قبل إعلان السيطرة الإسرائيلية، أفادت رويترز بأن إيران حذرت الولايات المتحدة من أن شن هجوم إسرائيلي واسع على علي الطاهر سيقابل برد قوي.

ويشير ذلك إلى الوزن الذي اكتسبه الموقع في الحسابات الإقليمية، من دون أن يحسم طبيعة أهميته العسكرية داخل منظومة حزب الله.

فالاهتمام الإيراني بعلي الطاهر قد يرتبط بحساسية الموقع العسكرية، كما قد يرتبط بمخاطر توسيع نطاق السيطرة الإسرائيلية في جنوب لبنان، في وقت تبقى فيه تطورات العلاقة مع طهران والملفات الإقليمية الأوسع جزءًا من المشهد، بما في ذلك التطورات المرتبطة بإيران ومضيق هرمز.

والتمييز بين البعدين العسكري والإقليمي ضروري عند تقييم القيمة الاستراتيجية الفعلية للمرتفع.

الانتخابات الإسرائيلية في الخلفية

تأتي العملية كذلك في توقيت سياسي داخلي حساس بالنسبة إلى إسرائيل، مع اقتراب الانتخابات العامة المقررة في 27 أكتوبر 2026، في وقت يحتل فيه الملف الأمني موقعًا متقدمًا في الحسابات السياسية الإسرائيلية.

ومن شأن السيطرة على موقع قُدّم طوال أشهر باعتباره معقلًا مهمًا لحزب الله أن تمنح الحكومة الإسرائيلية إنجازًا يمكن توظيفه عسكريًا وسياسيًا.

ولا ينفي البعد السياسي القيمة العسكرية المحتملة للعملية، لكنه يفرض التمييز بين الأهمية العسكرية للموقع والقيمة السياسية والإعلامية لإعلان السيطرة عليه.

ما بعد علي الطاهر… نقطة الصفر

تبقى القيمة الاستراتيجية الحقيقية لعلي الطاهر مرتبطة بما ستنتجه السيطرة عليها من نتائج لاحقة.

فإذا قادت المعلومات أو المعدات أو الوثائق التي حصلت عليها إسرائيل في المنطقة إلى اكتشاف سلسلة مترابطة من مواقع القيادة والأنفاق والمخازن، وأفضت إلى تعطيل واضح للبنية العملياتية لحزب الله، فسيشكل ذلك مؤشرًا قويًا على أن علي الطاهر كانت بالفعل مفتاحًا استراتيجيًا.

أما إذا انتهت العملية عند حدود المرتفعات، بينما استمرت قدرة حزب الله العسكرية من مناطق أخرى دون تراجع يتناسب مع حجم الأهمية المعلنة للموقع، فسيفرض ذلك سؤالًا مختلفًا:

هل وصلت إسرائيل إلى مركز ثقل عسكري لحزب الله، أم إلى هدف حقيقي جرى تضخيم قيمته الاستراتيجية؟

ولا يمكن حسم أهمية علي الطاهر بحجم الأنفاق المكتشفة أو الأسلحة التي قد تعلن إسرائيل العثور عليها وحدها، بل بالآثار العملياتية التي ستظهر بعد السيطرة عليها.

فإذا فتحت المرتفعات الطريق نحو بنية أعمق، تكون إسرائيل قد أمسكت بخيط مهم داخل المنظومة العسكرية للحزب.

أما إذا بقيت البنية الأوسع قادرة على العمل رغم فقدان الموقع، فستكتسب فرضية إعادة توزيع مراكز الثقل أو استخدام علي الطاهر كهدف استنزافي وزنًا أكبر في التحليل.

لذلك، لا يتوقف السؤال عند ما كان موجودًا داخل علي الطاهر، بل يمتد إلى ما يوجد بعدها.

وهناك تحديدًا تبدأ نقطة الصفر.


للمزيد من المتابعة: يمكن الاطلاع على التقرير اليومي لمتابعة التطورات الإقليمية والدولية.

🔴 لمتابعة الأخبار العاجلة مباشرة على مدار الساعة

قيم هذا المقال | Rate this post

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى