مقالات و رأيمنبر الكتاب

عدسة الحقيقة تحت رصاص الاحتلال: واقع جنوب لبنان والانتهاكات الإسرائيلية المنهجية | د. نبيلة عفيف غصن

يندرج هذا المقال ضمن قسم “منبر الكتّاب”، ويعبّر عن وجهة نظر كاتبته استناداً إلى قراءتها السياسية للأحداث، ولا تعبّر الآراء الواردة فيه بالضرورة عن الموقف التحريري لمنصة Profile News.

د. نبيلة عفيف غصن

منبر الكتّاب

د. نبيلة عفيف غصن

كاتبة وباحثة مهتمة بقضايا الجغرافيا السياسية والتحولات الإقليمية في الشرق الأوسط.


​ حرب الروايات والذاكرة المجروحة

​في خضم الصراعات المحتدمة والمعارك التي تُخاض على جبهات متعددة، لا تقتصر المواجهة العسكرية على الاشتباك المباشر، بل تمتد لتشمل “حرب الروايات” وصراع توثيق الحقيقة. ويحتل المشهد الميداني في جنوب لبنان مكانة بارزة في هذا السياق، حيث تتكشف يومياً فصول جديدة من الانتهاكات الإسرائيلية المنهجية التي تستهدف الحجر والشجر والإنسان، فضلاً عن سعي الاحتلال الدائم لطمس المعالم التاريخية والثقافية والاجتماعية للمنطقة.

​ استهداف التراث والذاكرة.. الجغرافيا في دائرة المحو

​تتجاوز الاعتداءات الإسرائيلية في جنوب لبنان الأهداف العسكرية البحتة لتمسّ الجوهر التاريخي والحضاري للمنطقة، وهو ما تكشفه بوضوح عمليات التدمير الممنهجة:

  • ​الاعتداء على الإرث التاريخي (منطقة أرنون وقلعة الشقيف): وثّقت التقارير الميدانية بدقة عمليات تفخيخ وتفجير الأنفاق والمحيط الأثري بالقرب من قلعة الشقيف التاريخية ومنطقة أرنون، مستخدمةً مئات أطنان المتفجرات. هذه الممارسات لا تعكس مجرد إجراءات تكتيكية، بل تكشف عن استراتيجية ممنهجة لتخريب البنى التحتية العميقة التي تعود لعقود، ومحو المعالم الثقافية التي تربط الأجيال بأرضها.
  • ​سياسة القضاء الحضري (Urbicide) وتدمير البنى التحتية: أظهرت المشاهد اليومية من القرى والبلدات الجنوبية عمليات جرف ونسف شاملة للمنازل والمرافق العامة. وتؤكد هذه السياسات سعي الاحتلال لتحويل القرى الجنوبية إلى مناطق مقفرة غير قابلة للحياة، في محاولة لضرب مقومات الاستقرار البشري ومنع أي فرصة لعودة الحياة الطبيعية.

​ سقوط المزاعم وافتضاح البروباغندا.. معركة “تلة علي الطاهر” نموذجاً

​تتجلى الأهمية القصوى للتوثيق الميداني بأجلى صورها حين يتصدى للادعاءات الدعائية والبروباغندا العسكرية التي يسوقها الاحتلال لفرض انتصارات وهمية أمام رأيه العام. وفي هذا السياق، مثّلت المعارك الدائرة حول “تلة علي الطاهر” الإستراتيجية نموذجاً صارخاً لحرب الروايات؛ فقد دأبت الدوائر العسكرية والإعلامية الإسرائيلية على إطلاق مزاعم متكررة حول تحقيق “سيطرة عملياتية” وتثبيت واقع أمني جديد في المرتفعات المشرفة على منطقة النبطية وإقليم التفاح.

​غير أن التقارير الميدانية الدقيقة وشهادات العيان المباشرة من قلب المحور كذّبت تلك الادعاءات بشكل قاطع، كاشفةً أن ما يُروج له في الغرف المغلقة وتصريحات الناطقين العسكريين لا يعدو كونه فقاعة دعائية تفتقر لأي سند واقعي على الأرض، وأن التلة تظل صامدة وخارج قبضة السيطرة الفعلية للاحتلال. هذا التناقض الفاضح بين الرواية الإسرائيلية المضللة والتوثيق الميداني الحي يعري إستراتيجيات الحرب النفسية، ويثبت أن الكلمة والصورة هما السلاح الأشد فاعلية في إسقاط زيف الدعاية الحربية.

​ الحرب على شهود العيان.. استهداف الطواقم الميدانية

​يُعد استهداف الصحفيين والمراسلين الميدانيين في جنوب لبنان واحداً من أكثر الشواهد صارخة على رغبة الاحتلال في طمس الحقيقة ومنع وصولها إلى الرأي العام العالمي:

  • ​خطر الموت المباشر في الميدان: إن تعرض الفرق الإعلامية والميدانية للقصف المباشر (مثل الغارات الجوية عبر الطائرات المسيرة التي تستهدف مواقع التغطية الحية) ليس سوى امتداد لسجل طويل من استهداف الصحفيين المتعمد. هذه الحوادث تثبت أن نقل الصورة والحقيقة بات جريمة يعاقب عليها الاحتلال بالنار.
  • ​غياب الردع الدولي وصوت الضحايا: ورغم البيانات والإدانات الرسمية الصادرة عن الهيئات الإعلامية والحقوقية، تظل هذه الجرائم شاهدة على عجز المنظومة الدولية عن توفير الحماية الفعلية لشهود العيان، مما يترك الميدان مكشوفاً أمام آلة القتل التي تحاول إسكات أي صوت يعارض سرديتها.

​ المفارقة بين الواقع الميداني والخطاب الرسمي

​تفرز ظروف الحرب في جنوب لبنان واقعاً معقداً يكشف عن فجوات عميقة على المستوى الداخلي:

  • ​المعاناة المعزولة: تبرز في كثير من الأحيان هوة واضحة بين هول المعاناة اليومية التي يعيشها الأهالي والمجالس المحلية في القرى المدمرة –التي تجد نفسها وحيدة في مواجهة الركام– وبين الحركة الرسمية والزيارات البروتوكولية المحدودة للمسؤولين التي غالباً ما تغيب عنها الفاعلية الميدانية الحقيقية.
  • ​إرادة البقاء والصمود الشعبي: في المقابل، يوثق المشهد الجنوبي تناقضاً صارخاً بين غطرسة القوة الإسرائيلية وإرادة الحياة لدى السكان المحليين؛ حيث يصر الأهالي على التمسك بالأرض، والعودة إلى الأنقاض، وإعادة بناء الروح من بين ركام الدمار، مما يجسد أسمى معاني التشبث بالهوية.

​ الذاكرة عصية على المحجوب

​يمثل الأرشيف الميداني المتوافر من جنوب لبنان وثيقة تاريخية وإنسانية بالغة الأهمية. إنه يتجاوز النشر الإخباري العابر ليتحول إلى سجل إدانة متكامل يكشف الطبيعة المدمرة للسياسات الإسرائيلية ويُسقط أساطير تفوقها الدعائي. وفي ظل محاولات محو الجغرافيا وتزييف الحقائق، يثبت التوثيق الميداني أن الحقيقة الموثقة بالعين والبرهان تظل الحصن الأخير لحفظ الذاكرة الجماعية وإثبات أن إرادة البقاء أبقى من آلة الدمار.


إقرأ أيضًا:

1/5 - (1 صوت واحد)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى