حصار “قصرة”: حين يحرس الجندي الجوع وتتهاوى أساطير “الإنسانية” | د. نبيلة عفيف غصن
يندرج هذا المقال ضمن قسم “منبر الكتّاب”، ويعبّر عن وجهة نظر كاتبته استناداً إلى قراءتها السياسية للأحداث، ولا تعبّر الآراء الواردة فيه بالضرورة عن الموقف التحريري لمنصة Profile News.


منبر الكتّاب
د. نبيلة عفيف غصن
كاتبة وباحثة مهتمة بقضايا الجغرافيا السياسية والتحولات الإقليمية في الشرق الأوسط.
ما نشهده اليوم في بلدة “قصرة” الفلسطينية ليس مجرد حادثة عابرة أو تجاوزاً ميدانياً طارئاً في السياق الدموي للاحتلال، بل هو “تجليات السقوط الأخلاقي” لأذرع التوحش في منظومة كاملة تآكلت فيها آخر بقايا الضمير الإنساني. إن ما تكشفه وقائع الميدان وتنقله التقارير الحية من قلب البلدة الصامدة يضع العالم أجمع أمام حقيقة مجردة ومرعبة: جيشٌ مدجج بآلة القتل لا يحمي حدوداً ولا يصون أزمنة، بل يقف شامخاً، بكل صلف ووقاحة، فوق صناديق الماء والخبز ليمنع وصولها إلى عائلة فلسطينية محاصرة داخل بيتها منذ ثلاثة أيام. إننا أمام فصل جديد من فصول حرب الإبادة اليومية المنهجية التي تستهدف الوجود والإنسان الفلسطيني في تفاصيل عيشه اليومية.
أولاً: “الاستبداد بالوقوف”.. عندما يتحول الجندي إلى حارسٍ للبؤس والجوع
في مشهدٍ يبعث على الغثيان والاستهجان العميق، يقف الجنود كجدارٍ اسمنتي وصفيح صلب حول إمدادات الطعام والماء البسيطة التي جلبها متطوعون أحرار لنجدة العائلة المحاصرة. هذا المشهد لا يقتصر على كونه منعاً تعسفياً للتجول، بل يمثل “استراتيجية شيطانية لكيّ الوعي” وتطويع الإرادة؛ حيث يُراد للفلسطيني أن يرى لقمة عيشه وقطرة مائه أمام ناظريه، حيةً قريبة وممنوعةً عنه في آن واحد بقوة السلاح والدبابة.
- عسكرة الحرمان: إن الجندي هنا لا ينفذ أوامر عسكرية اعتيادية، بل يجسد “إرادة التجويع الممنهج” كأداة قمعية قذرة تستهدف كسر إرادة الحياة والصمود لدى الإنسان الفلسطيني في عقر داره.
- هندسة اليأس والعقاب الجماعي: إن استهداف لقمة العيش وقطرة الماء هو سلاح استراتيجي جبان يلجأ إليه المحتل حين يعجز عن تركيع الإرادة الصلبة للرجل والمرأة والطفل الفلسطيني، محاولاً هندسة اليأس ودفع الإنسان للاختيار المستحيل بين الموت جوعاً أو الخضوع والتهجير، في انتهاك صارخ لكل المواثيق والأعراف الدولية.
ثانياً: سقوط وهم “الفصل”.. الدولة والمستوطنون وجهان لعملة الإرهاب
لقد سقطت ورقة التوت الأخيرة التي كانت تحاول طويلاً تجميل الوجه القبيح للاحتلال وتسويقه كـ “واحة ديمقراطية”. إن الواقع الميداني لا يظهر صراعاً بين طرفين متكافئين، ولا مجرد تجاوزات لفئة مارقة، بل يظهر تنسيقاً عضوياً وهيكلياً كاملاً؛ حيث يتواجد المستوطنون في مسرح الجريمة تحت حماية مطلقة، بينما يتولى “الجيش النظامي” مهمة الحصار المباشر، وتثبيت الطوق، وتوفير الغطاء العسكري والسياسي والميداني لهذا الإرهاب.
- التكامل الوظيفي للإرهاب الاستعماري: إن هذا التماهي التام يثبت أن المشروع الاستيطاني والمؤسسة العسكرية هما وجهان لعملة واحدة، هدفهما المباشر هو تطهير الأرض من أهلها عبر التضييق، والترهيب، وقطع أسباب الحياة.
- إرهاب القرون الوسطى في العصر الرقمي: إن منع الطعام والشراب عن عائلة آمنة هو جريمة حرب مكتملة الأركان، تعيد إلى الأذهان أبشع صور الحصار العتيقة، لكنها تُرتكب اليوم في القرن الحادي والعشرين تحت سمع وبصر عالم يدعي المدنية وحقوق الإنسان.
ثالثاً: دلالات الحصار في “قصرة”.. ملحمة صمود وتفجير للسردية
على الرغم من السلاح، والمدرعات، والانتشار الكثيف للجنود في محيط المنزل المحاصر، فإن الإرادة الفلسطينية الحية المتجذرة على الأرض – المتمثلة في بسالة المتطوعين ومحاولاتهم المستميتة لإيصال المعونات رغم أنف الاحتلال – تقدم درساً بليغاً في معنى البقاء:
- التجويع ليس حلاً: مهما طالت مدة الحصار، ومهما تضاعفت القوة القمعية، فإن الجوع لم يكن يوماً وسيلة لانتزاع التنازلات من شعبٍ عاهد الأرض وقرر البقاء.
- فضح السردية المزعومة: إن توثيق هذه الوقائع ونشرها للعالم يمزق محاولات الاحتلال المستمرة لتسويق نفسه؛ فلا توجد منظومة تدعي القيم الإنسانية تمنع الماء عن طفل أو خبزاً عن امرأة محاصرة.
- الخذلان الدولي والمعايير المزدوجة: تحدث هذه الجريمة الكبرى وسط صمت مطبق وتواطؤ نفاقي من المنظمات الدولية التي ترتجف خوفاً أو تتماهى مع الجلاد. إن هذا الغياب الدولي هو شراكة فعلية ومباشرة في الجريمة، مما سقط معه كل رهان على المؤسسات الأممية العاجزة.
نحو نهضة الوعي والمواجهة
إن جريمة حصار عائلة في “قصرة” ومنع أبسط مقومات الحياة عنها هي عارٌ أبدياً يلحق بكل من يراقب المشهد بصمت مطبق. وإن النهضة الحقيقية والوعي التحرري يبدآن من إدراكنا لهول هذه الأفعال، وتحويلها من مجرد “مشاهد مؤلمة” تثير الشفقة العابرة إلى وقود للغضب الواعي والمقاومة المستمرة على كافة الجبهات.
إن صناديق الطعام والماء المحتجزة تحت أقدام الجنود ستظل شاهداً حياً على إفلاسهم الأخلاقي، وستظل تذكّر العالم بأن الحق الفلسطيني لا يُهزم، لا بجوع، ولا بحصار، ولا بدبابة تحرس الفراغ ووهم القوة. بل إنها، وبكل تأكيد، ستنتصر لأنها تمثل جوهر الإنسانية في أسمى صورها: التمسك بالحياة، والرفض القاطع للاستسلام، واليقين بأن صوت الحق أعلَى وأبقى من طلقاتهم وحصارهم الجائر.
إقرأ أيضًا:
- من أوسلو إلى بغداد ودمشق: الهندسة الشاملة لإلحاق الهلال الخصيب بالمركز الإسرائيلي-الأمريكي
- خنق الهلال الخصيب حرب هجينة.. من باطن الأرض إلى غلاف السماء.
- سيكولوجية الاستعلاء وحتمية السقوط الأخلاقي
- انفجار مرفأ بيروت: بين رواية الإهمال وأسئلة الجغرافيا السياسية
- المقاربة الجيوسياسية للتوظيف الاستعماري
- ثورة الوعي: تفكيك هندسة الوهم ومخططات الساحل الإبراهيمي في شرق المتوسط
- أجِنّة على حدود السوق السوداء








