مقالات و رأي

د. ادمون ملحم: مناقب جديدة

أنطون سعاده فيلسوف وقائد نهضويِ جاءَ بعقيدةٍ مناقبيّةٍ عظيمةٍ جامعةٍ وبنظامٍ قوميٍّ اجتماعيٍّ جديدٍ لينقلَ الأمّةَ منْ حالةٍ سيئةٍ هي حالةُ التخلّفِ والجهلِ والفقرِ والتجزئةِ والتبعيّةِ إلى حالةٍ جديدةٍ هي حالةُ النهوضِ والوعي والوحدةِ والخصبِ والغنى والرخاءِ، حالةُ الخيرِ والحياةِ الحرّةِ، حياةُ العزِّ والمجدِ، حياةُ التقدّمِ والرقيِّ والانتصارِ.

هذا القائد النهضوي حملَ في نفسِهِ آلامًا عظيمةً ولكنَّهُ لمْ يأبهْ للآلامْ لأنَّهُ كانَ مستعدًّا لأنْ يُقدِّمَ حياتَهُ في كلِّ ساعةٍ وفي كلِّ دقيقةٍ من أجلِ الحرّيّةِ والعزِّ القوميين ولأنَّهُ كانَ مقتنعًا أنَّ الغاياتِ الساميةَ لا تنشدُها ‏إلا النفوسُ الكبيرةُ، التي لا بدَّ لها منْ أنْ تتألَّمَ وسطَ الصدماتِ ‏وهي إذ تقبلُ التضحياتِ فلأنَّها تعي أنَّ في التضحياتِ حياةً.

لقد عمل سعاده على تأليفِ القلوبِ وتقريبِ النفوسِ وتوحيدِ المشاعرِ والإراداتِ وجمعِ فئاتِ الأمّةِ في مطلبٍ واحدٍ وعقيدةٍ واحدةٍ وإرادةٍ واحدةٍ ودعَا لنهضةٍ قوميّةٍ اجتماعيّةٍ شاملةٍ شؤون حياتِنا السوريّةِ كما دعَا لإحياءِ المناقبِ القوميّةِ والتمرّسِ بالفضائلِ الساميّةِ والعملِ بعقليّةٍ أخلاقيّةٍ جديدةِ لتحيا أمّةً عظيمةً بأجيالِها المتعاقبةِ وقالِ: “أنَّ النهضةَ القوميةَ الاجتماعيّةَ جاءَتْ تحرقُ وتضيءُ، تحرقُ من أتَى بِهَا، وتحرقُ منْ يقفُ في سبيلِها، لتضيءَ لأمّةٍ ظنَّها أعداؤُها منقرضةً”.

وفي الثامن من تموز عام 1949 توّجَ سعاده حياته بقيمةِ الفداءِ في وقفةِ عزِّ تاريخيّةِ جسّدَتْ كلَّ معاني البطولةِ والتضحيةِ لتنتصرَ إرادةُ الحياةِ في الشعبِ ولتكونَ له حياةُ العزِّ والشرفِ والكرامةِ. في ذلك اليومُ الفاصلُ في حياةِ أمتِنا حصل التأكيد القاطع على عظمةِ هذا الرجلِ ومعدنه وعلى ما تمتّعَ به نفسه الكبيرة من إيمان بشعبه ومن حب وإخلاص لأمته.

هذا القائدُ الجريءُ الذي استخفَّ بالموتِ وسخرَ منهُ عندما قالَ لجلاديهِ “دعوا عينيّ مفتوحتينَ لأرى الرصاصَ يخترقُ صدري”… هذا القائد الذي سحقَ الموتَ وانتصرَ عليهِ في مشهدٍ بطوليٍّ حقيقيٍّ ُكانَ متفوّقًا وزعيمًا في كلِّ شيءٍ: كانَ زعيمًا في الكلمةِ والفكرِ والمبادىءِ وكانَ زعيمًا في العملِ والممارسةِ والقيادةِ والتربيةِ والاستشهادِ. وبإختصار، هو الزعيم والمعلم: زعيم الأمة السورية وفاديها وهو معلم الأجيال وقدوتها. وفي مايلي عينة من تعاليمه المناقبية التي تضيء الدرب للأجيال:

سعاده القدوةُ حاربَ الخيانةَ وأوصَانا بالقضاءِ عليها أينما وجدَتْ. وحاربَ البلبلةَ والأفكارَ الهدّامةَ وكلَّ أنواعِ المثالبِ والفوضى والرياء والفسادِ وقالَ: “لا بأسَ أنْ نكونَ طغاةً على المفاسدِ”.

– سعاده واجهَ الخنوعَ والخوفَ والجبنَ قائلاً للقوميينَ: “إذا كنْتُم ضعفاءَ وقيْتُكم بجسدِي وإنْ كنْتُم جبناءَ أقصيْتُكم عنّي وإنْ كنْتُم أقوياءَ سِرْتُ بِكُم إلى النصرِ”.

وسعاده احتقرَ الذينَ تخلّوْا عن طريقِ الحرّيّةِ والصراعِ واختارُوْا طريقَ العبوديّةِ والعيشَ الذليلَ وقالَ: “ويلٌ للمستسلمينَ الذينَ يرفضونَ الصراعَ فيرفضونَ الحريةَ وينالونَ العبوديةَ التي يستحقونَ”.

سعاده كان مثلاً أخلاقياً يُحتذى وقد اعتبر ان مسألة الأخلاق هي ‏شيء أساسي جداً في الحياة وشدّد على القوميين الإجتماعيين بأن يسلكوا في حياتهم ‏بموجب الأخلاق القومية الجديدة قائلاً: “إذا سارَ قومي إجتماعي ‏على الطريقِ فيجب أن يعرف الناسُ بأن سورياً قومياً يسير”.

سعاده كان مؤمنًا إيمانًا كبيرًا بشعبِهِ وقدْ عبّرَ عن فعلِ إيمانِهِ بإعتبارِ شعبِهِ هاديًا ومعلّمًا للأممِ وقائدًا للعالمِ بروحِ التعاليمِ الجديدة.

راهنَ سعاده على أصالةِ الأمّةِ السوريّةِ وحقيقتِها ودعَانا إلى الإيمانِ المطلقِ بهذِهِ الأمّةِ وبقواها القادرةِ على قهرِ الباطلِ وسحقِهِ وقالَ: “إنَّ فينا قوةً لوْ فعلَتْ لغيّرَتْ وجهَ التاريخِ”. كما دعَانا إلى أنْ نثقَ بأنفسِنا لأنَّ “الثقةَ بالنفسِ، كما يقولُ، “كانَتْ ولا تزالُ وستظلُّ العدّةَ التي لا يقومُ شيءٌ في العالمِ مقامَها في حياةِ الأممِ”

سعاده كا ن قوي العزيمة وعنيداً في الحق ومتكبراً على كل متكبر على الأمة وحقوقها. لم تضعفه الصعوبات ولم تنل من عزيمته دسائس المنافقين والمشعوذين وأهل الخيانة والمتآمرين.. أوصى بالحذر من المشككين وأصحاب المآرب الشخصية ودعا للتسلح باليقين والمعرفة والإيمان القومي الصحيح في مواجهة الغافلين الجاهلين قائلاً: “سواء أفهمونا ام أساؤوا فهمنا فإننا نعمل للحياة ولن نتخلى عنها.”

شدّدَ سعاده على أهميّةِ المبادىءِ معتبرًا أنَّ قيمةَ حياةِ الإنسانِ تكمنُ في مبدإٍ وفي َمثَلٍ منشودٍ وقال: “إنَّ الحياةَ الإنسانيةَ بلا مبادىءَ يتمسّكُ بها الإنسانُ، ‏ويبني بها شخصَهَ ومعنى وجودِهِ، هي باطلٌ”. ‏ لا قيمةَ لها.

كانَ سعاده منفتحًا على إبداعاتِ العالمِ وثقافاتِهِ وآدابِهِ ودعَا إلى التفاعلِ مع حضاراتِ العالمِ والفعلِ فيها إنطلاقًا من رؤيتنا المعبّرةِ عن نفسيتِنا الأصليّةِ وقيمِنا المجتمعيّةِ ولكنْ سعاده لم يكنْ مبهوراً لا بالغربِ ولا بالشرقِ بلْ اعتزَّ بقوميّتِهِ وبأصالةِ أمّتِنا السوريّةِ وبجمالِ أرضِنا الخصبةِ التي قالَ أنَّ فيها معينًا للرجالِ الناهضينَ وفاخر بما أعطَتهُ هذهِ الأمةُ للعالمِ من علومٍ ورسالاتٍ ومعارفَ ومن عظماءٍ خالدينَ وفلاسفةٍ ومفكرينَ وقوّادٍ ومحاربينَ وقالَ “أنَّ في النفسِ السوريّةِ كلَّ علمٍ وكلَّ فلسفةٍ وكلَّ فنٍّ في العالمِ”.

هذه أمثلة من مناقب سعاده الجديدة التي وحدتنا في وحدة روحية متينة وجعلت منا هيئة إجتماعية تحقق فيها الوعي والمعرفة لحقيقتنا ولأهدافنا في الحياة… وبهدي هذه المناقب نحن نسير ونصارع لإحقاق الحق وإزهاق الباطل ولتثبيت حقوق الأمة وسيادتها. وكما علّمنا سعاده لن نرضى إلا حياة الأحرار وأخلاق الأحرار. قد تكون الحرية حملاً ثقيلاً، ولكنه حمل لا يضطلع به إلا ذوو النفوس الكبيرة، ولنا كل الثقة بنفوسنا الخيّرة التي لن تجد لها راحة بال حتى يكون لها ما تريد وما تريده هو الحياة الحرة الكريمة.إ

3/5 - (2 صوتين)

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى