مقالات و رأي

رصاص همجي وفتاوى متخلّفة – أنور الخطيب

من يقتل صحفياً أعزلاً إلا من ميكروفونه وآلة تصويره كأنه قتل الناس جميعاً بغير حق، وذبح حرية الكلمة عامداً متعمّداً بقصد الترهيب، كأنه طعن رسول الكلمة ورسالته في الظهر، وهو غدر غير مسبوق، وخيانة للمبادئ السلمية والإنسانية، كأنه قتل كل العصافير والطيور في فضاء الله، وحرق اخضرار الحياة على أرض الله، كأنه قتل كل المشاهدين في بيوتهم.

فهل هذا ما هدف إليه الجندي الأحمق بسلوكه الإرهابي، وهل هذا ما أراده من أعطى الأوامر بقتل شيرين أبو عاقلة، وردة الصباح وعطر المساء وعروس الكلمة الباحثة عن الحقيقة؟

لو كان هذا هدف القاتل والآمر من وراء قتل شيرين، فماذا كان هدف الجنود وهم يعتدون على حاملي نعش شيرين؟ هل تفريق المسيرة أم إسقاط الأعلام الفلسطينية أم إسقاط النعش وإخراج جثة شيرين منه؟ هل كان هدف الجنود رؤية جثة شيرين مُلقاة على الأرض وحيدة، وتدوسها أقدام الجنود؟

ما الخطر الذي كانت تشكله جثة قدّيسة الصحافة وهي مُسجّاة في التابوت؟ أسئلة طرحها المؤمنون والكفار والملحدون وكل من تابع المشهد الجبان الذي عكس همجية وعدوانية الجنود، واحتقارهم لجثة فلسطينية ملفوفة بعلم بلادها.

ألهذه الدرجة كان يخيفهم علمٌ ملقى فوق تابوت، ورجال يرفعون بسواعدهم إنسانة ميّتة. جيش مدجّج بالسلاح يخاف الميّتين، يخاف العلم، ويخاف الهتاف، ويخاف الصوت والنشيد والتكبير والأذان في المساجد وقرع الأجراس في الكنائس، جيش يخاف أحزان الفلسطينيين ودموعهم.

أي جيش هذا، وعلى أي مبادئ نشأ، وما هي رسالته في الحياة، وأي حضارة يريد توصيلها للعالم من وراء الاعتداء على نعش؟ وأي رسالة يرسلها لشعبه وحكومته وقادته؟ لو قلنا أن الجندي الذي ذبح صوت شيرين قد تصرّف من نفسه ولم يتلق الأوامر من أحد، واستفزته شيرين وهي تنقل وحشية جيش الاحتلال، فهل تصرّف الجنود الذين اعتدوا على نعش شيرين من تلقاء أنفسهم؟

طبعا هذا غير ممكن ومستحيل، لقد تلقّى الجنود أوامر قيادتهم بمهاجمة حاملي النعش وتكسير أرجلهم ليسقطوا جثة شيرين، وربما جعلها تتدحرج على الأرض، والصور الحية تؤكد ضرب الجنود سيقان حاملي النعش. كأن الجنود ينتقمون مجدداً من المسيح بالاعتداء على أتباعه! أي همجيّة هذه؟

والآن دعونا ننتقل إلى شريحة أخرى، همجية ومتخلفة، ولا تقل عن همجية قاتل شيرين، هؤلاء الذين تحدثوا باسم الدين، وتساءلوا إن كان يجوز الترحّم على شيرين بصفتها مسيحية، وهل شيرين شهيدة حقاً، وهل سيزورها الملكان في قبرها؟ وأنا هنا لن أناقش هؤلاء دينياً لأن شيوخ دين مسلمين أخذوا على عاتقهم المهمة.

ولكن سأقول إنهم أطلقوا تساؤلاتهم وفتواهم في ذكرى نكبة فلسطين، فضاعفوا إحساسي شخصياً بالنكبة، لأن التخلّف والتطرّف كانا أحد أسباب النكبة وهما مسؤولان عن استمراريتها.

أنا لا أستطيع أن أتخيل إنساناً يشاهد مقتل امرأة تقوم بوظيفتها الإنسانية والوطنية، وتدافع عن وطنها وقضيتها أكثر مما يفعل، ثم ينسى عملها الوطني ورأسها المبتل بالدماء، ويسأل إن كانت شهيدة أم لا، ويفتي بعدم جواز الترحّم عليها. لقد خجلت من لغتهم ومعارفهم وطرحهم، ومن جرأتهم وهم يضعون أنفسهم مكان الله. هذا أمر مؤسف، ولو كان بيدي لقدمت هؤلاء للمحاكمة بتهمة تشويه سمعه الشهداء.
شيرين، كنتِ أقوى من الجنود الذين يخافون الميتين، واقوى من قاتليك، وأقوى من أصحاب الفتاوى، ويرحمك الله في واسع رحمته.

قيم هذا المقال | Rate this post

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى