السندات الأميركية فوق 5%.. لماذا أصبح مستوى 6% كابوس الأسواق الجديد؟

قفزت عوائد السندات الأميركية إلى مستويات لم تشهدها الأسواق منذ سنوات، بعدما لامس عائد السندات لأجل 30 عامًا نحو 5.45%، وهو الأعلى منذ 2004، بينما ارتفع عائد سندات 10 سنوات إلى نحو 5.15%، أعلى مستوى منذ 2007.
هذا الصعود لم يعد مجرد حركة تقنية داخل سوق السندات. فقد أصبح السؤال الذي يشغل المستثمرين أكثر وضوحًا: إذا كان مستوى 5% لم يعد يسبب الصدمة نفسها التي كان يسببها سابقًا، فهل يصبح 6% هو المستوى الجديد الذي تبدأ عنده إعادة تسعير واسعة للأسهم والائتمان والدولار والاقتصاد العالمي؟
عوائد السندات الأميركية.. ماذا حدث؟
شهدت سوق الخزانة الأميركية موجة بيع قوية دفعت العوائد طويلة الأجل إلى مستويات مرتفعة، مع تزايد مخاوف التضخم وارتفاع أسعار النفط وصدور بيانات اقتصادية أميركية أقوى من المتوقع.
وبحسب Reuters، بلغ عائد السندات الأميركية لأجل 30 عامًا ذروة عند 5.4461% خلال جلسة الخميس 24 سبتمبر، وهو أعلى مستوى منذ 2004.
أما عائد السندات لأجل 10 سنوات فصعد في وقت سابق إلى 5.1497%، مسجلًا أعلى مستوى منذ 2007.
وجاءت التحركات بعد بيانات أظهرت تسارع النشاط الاقتصادي الأميركي وارتفاع مؤشرات الأسعار، ما أعاد المخاوف من بقاء التضخم مرتفعًا لفترة أطول.
ما معنى ارتفاع عوائد السندات الأميركية؟
عندما ترتفع عوائد السندات الأميركية، فهذا يعني أن المستثمرين يطلبون عائدًا أكبر للاحتفاظ بالدين الحكومي الأميركي.
ويحدث ذلك عادة عندما تتوقع الأسواق أسعار فائدة أعلى، أو تضخمًا أقوى، أو زيادة في حجم إصدار السندات، أو عندما يطلب المستثمرون علاوة إضافية للاحتفاظ بالديون لفترات أطول.
ولأن سندات الخزانة الأميركية تعد مرجعًا رئيسيًا لتسعير الأصول المالية عالميًا، فإن ارتفاع عوائدها ينتقل إلى الرهن العقاري، وقروض الشركات، وأسواق الأسهم، والعملات والأسواق الناشئة.
لماذا لم يعد مستوى 5% يخيف الأسواق كما كان؟
لسنوات طويلة، كان تجاوز عائد سندات 10 سنوات حاجز 5% يُنظر إليه باعتباره نقطة يمكن عندها أن تبدأ اضطرابات كبيرة في الأسواق.
لكن الأسواق أظهرت هذه المرة قدرة أكبر على التكيف مع هذا المستوى.
وتقول Reuters إن مستثمرين ومحللين بدأوا يناقشون ما إذا كان مستوى الخطر الجديد قد انتقل إلى نطاق أعلى يتراوح بين 5.5% و6%.
ويرى بعض المشاركين في السوق أن تغير بنية الاقتصاد العالمي، وازدياد وزن قطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والخدمات، قد يجعل بعض الشركات أقل حساسية للفائدة مما كانت عليه الأسواق في دورات سابقة.
لماذا تخشى الأسواق مستوى 6%؟
المخاوف من 6% لا تعني أن الأسواق تتوقع وصول العوائد حتمًا إلى هذا المستوى.
إنه سيناريو ضغط يراقبه المستثمرون، لا توقع مؤكد.
لكن Reuters تشير إلى أن انتقال عائد سندات 10 سنوات من 5% إلى 6% قد يمثل إعادة تسعير كبيرة في سوق الخزانة الأميركية التي تبلغ قيمتها نحو 29 تريليون دولار.
ووصول العائد إلى 6% قد يعكس واحدًا أو أكثر من ثلاثة عوامل: توقعات تضخم أعلى، مخاوف متزايدة بشأن الاستدامة المالية الأميركية، أو قناعة بأن أسعار الفائدة ستبقى مرتفعة لسنوات.
لماذا تؤثر السندات على الأسهم؟
عندما يحصل المستثمر على عائد يتجاوز 5% من سندات حكومية أميركية، ترتفع المقارنة بين العائد المتاح من السندات والعائد المتوقع من الأسهم.
وإذا استمرت العوائد في الصعود، قد يقرر بعض المستثمرين نقل جزء من أموالهم من الأسهم إلى السندات.
وتكون أسهم النمو والتكنولوجيا أكثر حساسية في كثير من الأحيان، لأن تقييماتها تعتمد على أرباح متوقعة في المستقبل، وتصبح هذه الأرباح أقل قيمة عند احتسابها بمعدلات خصم أعلى.
لكن Reuters تشير إلى أن الأسواق لم تصل حتى الآن إلى مرحلة انهيار، وأن تأثير العوائد يعتمد أيضًا على قوة أرباح الشركات والنمو الاقتصادي.
وول ستريت تحت الضغط
تراجعت مؤشرات الأسهم الأميركية خلال جلسة الخميس مع استمرار ارتفاع العوائد ومخاوف التضخم.
وانخفض مؤشر داو جونز، كما تراجع S&P 500 وناسداك، بعد يوم واحد من تسجيل عوائد السندات قفزة كبيرة.
ويرى المستثمرون أن استمرار صعود العوائد يمكن أن يصبح عقبة أكبر أمام استمرار صعود الأسهم إذا بدأت الشركات والمستثمرون في إعادة تسعير تكلفة رأس المال.
الفيدرالي يعود إلى واجهة المشهد
ارتفاع العوائد جاء أيضًا مع زيادة توقعات رفع الفائدة الأميركية مجددًا.
وبحسب Reuters، ارتفعت احتمالات رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة في اجتماعه المقبل إلى نحو 66% في تداولات العقود الآجلة، مقارنة بنحو 53% قبل صدور أحدث بيانات النشاط الاقتصادي.
وهذا يعني أن الأسواق أصبحت أقل ثقة في قدرة الفيدرالي على تخفيف السياسة النقدية قريبًا.
النفط يعيد إشعال مخاوف التضخم
زاد ارتفاع أسعار النفط من الضغوط على سوق السندات.
وصعد النفط بنحو 2% خلال جلسة الخميس في ظل محدودية التقدم في المحادثات الأميركية–الإيرانية واستمرار المخاوف المرتبطة بإمدادات الطاقة.
وكانت بروفايل نيوز قد تابعت تطورات محادثات أميركا وإيران والخلافات المرتبطة بمضيق هرمز، وهي من العوامل التي ما تزال تؤثر مباشرة في توقعات الطاقة والتضخم.
الدين الأميركي يزيد الضغط
العامل الآخر هو الحجم الكبير لإصدارات الخزانة الأميركية.
زيادة إصدارات الدين ترفع المعروض من السندات، وقد تدفع المستثمرين إلى طلب عائد أعلى، خصوصًا إذا تزامنت مع مخاوف بشأن التضخم والعجز المالي والمسار الطويل الأجل للدين الحكومي.
وتشير Reuters إلى أن القلق من المستويات القياسية للدين الأميركي أصبح جزءًا رئيسيًا من النقاش حول ارتفاع العوائد طويلة الأجل.
مزادات الخزانة تحت المراقبة
راقب المستثمرون أيضًا الطلب على مزادات الدين الحكومية بعد ضعف الإقبال على بعض الإصدارات الأخيرة.
وقالت Reuters إن الأسواق كانت تتابع مزادًا بقيمة 44 مليار دولار لسندات لأجل سبع سنوات، بعد طلب ضعيف نسبيًا في مزاد سابق بقيمة 70 مليار دولار لسندات خمس سنوات.
ويصبح مستوى الطلب في هذه المزادات مهمًا لأن ضعف الإقبال قد يدفع العوائد إلى مستويات أعلى.
ماذا يعني ذلك للرهن العقاري والاقتراض؟
ارتفاع عوائد سندات الخزانة ينتقل تدريجيًا إلى تكلفة الاقتراض في الاقتصاد.
وتستخدم هذه العوائد كمرجع لتسعير الرهن العقاري وسندات الشركات وأنواع مختلفة من القروض.
لذلك يمكن أن تعني العوائد المرتفعة تكلفة أعلى لشراء المنازل وإعادة التمويل واقتراض الشركات.
الدولار يستفيد من العوائد المرتفعة
يمكن أن تدعم العوائد المرتفعة الدولار لأنها تجعل الأصول الأميركية أكثر جاذبية للمستثمرين العالميين.
وخلال جلسة الخميس ارتفع الدولار مقابل الين الياباني، بينما تراجع اليورو إلى أدنى مستوى له في نحو شهرين خلال التعاملات.
لكن قوة الدولار تعتمد أيضًا على سياسات البنوك المركزية والنمو الاقتصادي وتوقعات الفائدة عالميًا.
وماذا عن الذهب؟
تراجعت أسعار الذهب مع ارتفاع العوائد والدولار.
وبحسب Reuters، انخفض الذهب الفوري خلال الجلسة إلى نحو 4,263 دولارًا للأونصة.
ويتعرض الذهب عادة للضغط عندما ترتفع العوائد، لأنه لا يوفر فائدة دورية للمستثمر.
لكن المخاطر الجيوسياسية والتضخم يمكن أن تبقي الطلب على المعدن مرتفعًا كأصل دفاعي.
الأسواق الناشئة قد تكون من أول المتضررين
ارتفاع عوائد الخزانة الأميركية لا يؤثر على الولايات المتحدة وحدها.
توضح Reuters أن الأسواق الناشئة غالبًا ما تكون من أول المناطق التي تتعرض للضغط عندما ترتفع العوائد الأميركية.
فالارتفاع قد يقوي الدولار ويجذب الأموال نحو الأصول الأميركية، ما يرفع تكلفة خدمة الديون المقومة بالدولار في بعض الدول.
كما أظهرت بيانات التدفقات خروج أموال من صناديق سندات وأسهم الأسواق الناشئة خلال الفترة الأخيرة.
هل 6% سيناريو حتمي؟
لا.
قد تتراجع العوائد إذا تباطأ الاقتصاد الأميركي أو تراجعت أسعار النفط أو هدأ التضخم أو تغيرت توقعات الفائدة.
كما أن مستوى 6% ليس رقمًا سحريًا يؤدي تلقائيًا إلى أزمة.
ويشير محللون نقلت عنهم Reuters إلى أن النقطة الأهم هي العلاقة بين عوائد السندات وتقييمات الأسهم وتكلفة رأس المال، وليس الرقم المجرد وحده.
لماذا تهم القصة المستثمر العادي؟
لأن عوائد السندات الأميركية تدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تسعير جزء كبير من الاقتصاد العالمي.
- الأسهم: ترتفع تكلفة رأس المال وتنخفض جاذبية بعض الأسهم مرتفعة التقييم.
- الرهن العقاري: ترتفع تكلفة شراء المنازل وإعادة التمويل.
- الشركات: تصبح عمليات الاقتراض وإصدار السندات أكثر تكلفة.
- الدولار: قد يستفيد من العوائد الأعلى.
- الذهب: قد يتعرض لضغوط من ارتفاع العوائد الحقيقية.
- الأسواق الناشئة: قد تواجه خروج رؤوس أموال وارتفاع كلفة خدمة الدين.
الخلاصة.. 5% لم تعد النهاية
المشهد الجديد في سوق السندات الأميركية لا يتعلق فقط بتجاوز رقم نفسي.
العوائد المرتفعة تعكس مزيجًا من قوة الاقتصاد الأميركي ومخاوف التضخم وارتفاع أسعار النفط وتزايد حجم الدين الحكومي وتوقعات بقاء الفائدة مرتفعة.
كان مستوى 5% لسنوات هو الرقم الذي تخشاه الأسواق. أما الآن، فقد بدأ النقاش ينتقل إلى نطاق 5.5%-6% بوصفه منطقة ضغط محتملة قد تفرض إعادة تسعير أوسع على الأسواق.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل تجاوزت السندات 5%؟ بل: كم تستطيع الأسواق تحمّل ارتفاع تكلفة المال قبل أن يبدأ التغيير الحقيقي في تقييم الأسهم والائتمان والاستثمار؟
وتتابع بروفايل نيوز تحركات الأسواق والأخبار الاقتصادية عبر صفحة الأخبار العاجلة على مدار الساعة.
المصادر
- Reuters — As 5% Treasury yields lose shock value, investors start worrying about 6%
- Reuters — Yields elevated as inflation fears keep markets on edge
- Reuters — Forces driving U.S. bond yields higher








