من الجفاف إلى الفيضان.. الفرات يهدد الرقة ودير الزور وسط بدء خفض التدفقات القادمة من تركيا

آخر تطور
أعلنت وزارة الطاقة السورية أن الاتصالات والمتابعة مع الجانب التركي أسفرت عن بدء خفض كميات المياه الواردة إلى سوريا عبر نهر الفرات، فيما بدأت الفرق الفنية إجراءات تدريجية لخفض التصريف من سد الفرات بعد أيام من الفيضانات والتحذيرات في الرقة ودير الزور.
بعد أكثر من عقد من الجفاف وتراجع مستويات المياه، تعود فيضانات الفرات في سوريا إلى واجهة المشهد الإقليمي مجدداً. فبعد سنوات من التحذيرات من شح المياه وتراجع إنتاج الكهرباء، تحولت الأزمة اليوم إلى خطر معاكس يتمثل في فيضانات واسعة تهدد مناطق على امتداد مجرى النهر في الرقة ودير الزور.
وتشير بيانات رسمية وتقارير ميدانية إلى أن التصريف من سد الفرات ارتفع خلال الأيام الماضية إلى ما بين 1500 و1800 متر مكعب في الثانية، مع تحذيرات من ارتفاع منسوب النهر بأكثر من مترين في بعض المناطق المنخفضة على امتداد مجراه.
وعلى ضفاف الفرات في الرقة ودير الزور، بدأ السكان خلال الأيام الأخيرة بمراقبة ارتفاع المياه بوتيرة متسارعة، فيما تحدثت تقارير محلية عن غمر أراضٍ زراعية وممتلكات ومنازل قريبة من النهر، في مشهد لم تشهده المنطقة منذ سنوات طويلة.
▪️ التدفقات خلال سنوات الجفاف: 200–250 م³/ثانية
▪️ الحد الأدنى وفق اتفاقية 1987: 500 م³/ثانية
▪️ التدفقات الحالية وفق تقديرات محلية: نحو 2000 م³/ثانية
▪️ تصريف سد الفرات: 1500–1800 م³/ثانية
▪️ ارتفاع متوقع لمنسوب المياه: أكثر من مترين
▪️ المناطق الأكثر تأثراً: الرقة ودير الزور
فيضانات الفرات في سوريا.. من 200 إلى 2000 متر مكعب في الثانية
تكمن المفارقة في أن أزمة الفرات خلال السنوات الماضية كانت مرتبطة أساساً بنقص المياه لا بزيادتها. ففي أوقات كثيرة تراجعت التدفقات إلى مستويات قريبة من 200 إلى 250 متراً مكعباً في الثانية، وهي أرقام أدنى بكثير من الحد الأدنى المنصوص عليه في اتفاقية عام 1987 بين سوريا وتركيا والبالغ 500 متر مكعب في الثانية.
وتأتي هذه التطورات بعد سنوات من الجدل حول حصص المياه في الفرات، إذ سلط تقرير للجزيرة الضوء على ما وصفه السوريون بحدث لم يشهدوه منذ عقود نتيجة الارتفاع الكبير في التدفقات المائية هذا العام.
لكن المشهد تبدل هذا الربيع بصورة لافتة. فبعد موسم أمطار استثنائي ساهم في رفع مستويات التخزين داخل بحيرة الأسد وخزان سد الفرات، تحدثت مصادر محلية ومهندسون عن زيادة كبيرة في كميات المياه الواردة من الجانب التركي، لتصل وفق تقديرات محلية وتقارير إعلامية متداولة إلى نحو 2000 متر مكعب في الثانية خلال فترات معينة.
ومع استمرار التدفقات المرتفعة، اقتربت مستويات التخزين في السد من الحدود القصوى، ما دفع الجهات المشغلة إلى زيادة التصريف بشكل متسارع لتخفيف الضغط على المنشآت المائية.
سباق مع الوقت لحماية سد الفرات
بحسب بيانات رسمية سورية، تم رفع كميات التصريف من سد الفرات إلى نحو 1500 متر مكعب في الثانية، قبل أن تصل التدفقات الخارجة في بعض الفترات إلى ما يقارب 1800 متر مكعب في الثانية.
وأشارت وكالة Associated Press إلى أن السلطات السورية رفعت تصريف المياه من سد الفرات إلى مستويات طارئة بعد ارتفاع منسوب النهر، وسط تحذيرات من فيضانات وأضرار في مناطق شرق سوريا.
كما نقلت شبكة Rudaw عن مسؤولين سوريين أن التصريف المائي من السدود ارتفع إلى نحو 1500 متر مكعب في الثانية مع استمرار حالة التأهب في الرقة ودير الزور.
وأصدرت الجهات المختصة تحذيرات عاجلة للسكان المقيمين قرب مجرى النهر، داعية إلى الابتعاد عن المناطق المنخفضة وتعليق استخدام القوارب والعبّارات وتجنب عبور الجسور الترابية المؤقتة.
كما حذرت السلطات من احتمال ارتفاع مستوى المياه بأكثر من مترين إضافيين في بعض المناطق الواقعة على امتداد مجرى الفرات إذا استمرت التدفقات بالمعدلات الحالية.

أضرار ميدانية وإخلاءات على ضفاف النهر
لم تعد فيضانات الفرات في سوريا مجرد تحذيرات نظرية.
فقد سجلت أضرار في أراضٍ زراعية ومنازل ومحال تجارية في أجزاء من الرقة ودير الزور، فيما بدأت بعض العائلات بنقل ممتلكاتها إلى مناطق أكثر ارتفاعاً تحسباً لأي موجة فيضان جديدة.
كما أظهرت تقارير ميدانية وصور نشرتها وكالة Associated Press انتقال عائلات من مناطق منخفضة إلى مواقع أكثر أماناً بعد غمر المياه لأجزاء من الأراضي الزراعية والممتلكات القريبة من مجرى النهر.
وتواصل فرق الطوارئ والدفاع المدني مراقبة تطور الوضع وتحذير السكان من الاقتراب من مجرى المياه، مع استمرار أعمال الإخلاء والجاهزية في المناطق الأكثر عرضة للخطر.
هل تكشف فيضانات الفرات في سوريا أزمة تنسيق مائي بين أنقرة ودمشق؟
رغم أن السلطات السورية عزت جزءاً كبيراً من الارتفاع الحالي إلى موسم أمطار قوي رفع مخزون السدود والخزانات المائية، فإن السؤال الأبرز يتمحور حول حجم التدفقات الواردة من تركيا وآلية التنسيق بين الجانبين.
وتقول مصادر محلية إن الزيادة الكبيرة في المياه الواردة فاجأت الجهات المشغلة للسدود، في حين لم يصدر حتى الآن إعلان رسمي مشترك يوضح طبيعة التنسيق أو حجم التدفقات المتفق عليها بين أنقرة ودمشق خلال هذه المرحلة.
كما لم تصدر السلطات التركية توضيحاً مفصلاً بشأن التقارير المتداولة حول أسباب الزيادة الأخيرة في كميات المياه العابرة للحدود.

وتكتسب هذه التساؤلات أهمية خاصة في ظل حديث مصادر محلية ومهندسين عن أن الزيادة السريعة في التدفقات فاجأت الجهات المشغلة للسدود، ما اضطرها إلى رفع معدلات التصريف بصورة متسارعة. وبينما لا توجد مؤشرات رسمية على وجود خلاف بين الجانبين، فإن غياب التفاصيل المعلنة بشأن آلية إدارة هذه التدفقات يترك الباب مفتوحاً أمام تساؤلات حول مستوى التنسيق المائي في واحدة من أكثر القضايا حساسية بين سوريا وتركيا.
بوادر احتواء الأزمة.. دمشق تعلن بدء خفض التدفقات القادمة من تركيا
وفي تطور جديد قد يغير مسار الأزمة، أعلنت وزارة الطاقة السورية أن الاتصالات والمتابعة مع الجانب التركي أسفرت عن بدء خفض كميات المياه الواردة إلى سوريا عبر نهر الفرات.
وقالت الوزارة إن الفرق الفنية في المؤسسة العامة لسد الفرات بدأت اتخاذ إجراءات تشغيلية تدريجية لخفض منسوب المياه، شملت تقليص كميات التصريف بمقدار 100 متر مكعب في الثانية كمرحلة أولى، مع استمرار مراقبة الوضع المائي على امتداد مجرى النهر.
ويُنظر إلى هذا التطور باعتباره أول مؤشر رسمي على بدء احتواء الأزمة بعد أيام من التحذيرات والإخلاءات وارتفاع منسوب المياه في الرقة ودير الزور، فيما تواصل الجهات المختصة تقييم تأثير خفض التدفقات على المناطق المتضررة.
عندما تتحول فيضانات الفرات في سوريا إلى قضية إقليمية
لا يتعلق الأمر بفيضانات محلية فحسب.
فالفرات أحد أهم الأنهار العابرة للحدود في الشرق الأوسط، ويؤمن المياه والطاقة لملايين السكان في تركيا وسوريا والعراق. وأي تغير مفاجئ في تدفقاته يعيد فتح ملف الأمن المائي الإقليمي والعلاقات المعقدة بين دول المنبع والمصب.
واللافت أن المنطقة التي عاشت سنوات طويلة من الجفاف وتراجع المنسوب باتت تواجه اليوم تحدياً معاكساً يتمثل في فائض مائي يهدد بإغراق مناطق واسعة على ضفاف النهر.
وبينما تواصل السلطات مراقبة مستويات المياه ساعة بساعة، يبقى الغموض قائماً بشأن ما إذا كانت هذه التدفقات تمثل حدثاً استثنائياً مرتبطاً بالأمطار وإدارة السدود، أم بداية تحول جديد في معادلة الفرات بعد سنوات طويلة من الجفاف. وفي كلتا الحالتين، تبدو الرقة ودير الزور اليوم في مواجهة اختبار مائي لم تشهده المنطقة منذ عقود.








