ثقافة

مارك توين و”رؤيا دمشق”: حين كتب رائد الأدب الأميركي عن أقدم مدينة مأهولة في العالم

مارك توين  Mark Twain.
دمشق القديمة
مؤلف غير معروفمؤلف غير معروف, المجال العام, via Wikimedia Commons

 مارك توين و”رؤيا دمشق”: حين كتب رائد الأدب الأميركي عن أقدم مدينة مأهولة في العال

 

يُعد مارك توين، الاسم الأدبي للكاتب الأميركي صمويل لانغهورن كليمنز، من أعمدة الأدب العالمي، ومن أبرز الأصوات التي رسمت ملامح الأدب الأميركي في القرن التاسع عشر. وقد حظي بإجماع نقدي عالمي كأحد أعظم الكتّاب الساخرين، وترك إرثًا أدبيًا يتجاوز حدود القصص الممتعة ليخوض عميقًا في بنية المجتمع الأميركي، ويكشف عن مفارقات الحضارة الإنسانية.

 

وإن كانت روايتاه الشهيرتان “مغامرات توم سوير” (1876) و”مغامرات هاكلبيري فين” (1885) قد خلّدتا اسمه في ذاكرة الأدب العالمي، فإن كتابه “البسطاء في الخارج” (The Innocents Abroad) الصادر عام 1869، شكّل منعطفًا جديدًا، حيث قدّم من خلاله أولى تجاربه في أدب الرحلات، بأسلوب ساخر، وعيون متأملة، ونقد ثقافي يمتزج فيه الذكاء الحاد بالسخرية اللاذعة.

 

رحلة عبر التاريخ والبحر: كيف وُلد كتاب “البسطاء في الخارج”؟

في عام 1867، شارك توين في رحلة بحرية نُظمت على متن السفينة الأميركية “كويكر سيتي”، وشملت جولة واسعة عبر أوروبا والبحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط. كانت الفكرة حينها طموحة: تقديم رؤية أدبية جديدة لرحلات الأميركيين الأثرياء إلى العالم القديم، مع تفكيك الصورة الرومانسية التي حملوها عن تلك البلاد.

انطلقت السفينة من نيويورك، مرورًا بفرنسا وإيطاليا واليونان، ثم واصلت الرحلة إلى الشام ومصر والقدس. وعلى عكس السائد في كتابات الرحالة الأوروبيين والأميركيين في ذلك الوقت، لم ينقل توين رؤاه بأسلوب استعمار ثقافي أو بنظرة فوقية، بل قدّم تأملات إنسانية ساخرة تُبرز مفارقات الحضارة، وتقف في كثير من الأحيان إلى جانب الشعوب التي زارها.

 

مارك توين،دمشق كما اراها : “أقدم مدينة في العالم تنام بين أحضان الجنة”

من بين كل المدن التي زارها، بدت دمشق بالنسبة لتوين استثناءً. لم يُخفِ انبهاره بها، بل خصّها بوصف شعري مدهش، يخلو من السخرية المعتادة، ويزخر بالدهشة والتوقير. كتب عنها قائلًا:

 

> “وفي قلب هذا الفردوس – النائم تحت شمس مشرقة – كانت ترقد المدينة العظيمة دمشق، أقدم مدينة في العالم… لقد كانت رؤيا – رؤيا خيالية – صورة لا يمكن أن تمحى من الذاكرة.”

 

لقد رأى توين في دمشق شيئًا مختلفًا؛ لم تكن فقط مدينة جميلة بطبيعتها، ولا مجرّد موقع أثري، بل كانت “رمزًا للاستمرارية البشرية”. فقد بقيت قائمة منذ آلاف السنين، في حين اختفت عواصم وإمبراطوريات وشعوب بأكملها.

 

مشهد بصري يأسر الخيال

عند اقترابه من المدينة، وصف توين كيف بدت دمشق كجنة خضراء تتلألأ تحت وهج الشمس. تسحره المياه الجارية من نهر بردى، وأشجار الرمان والمشمش والليمون، والبساتين التي تمتد كوشاح أخضر على جانبي الطريق المؤدي إلى المدينة.

 

يقول:

 “لقد رأينا مدنًا كثيرة، لكنها كانت تشبه بعضها إلى حد كبير؛ باردة، أو باهتة، أو متشابهة في طرازها. أما دمشق، فكانت نشيدًا منفردًا في سيمفونية الرحلة. لا يمكن أن تخطئها العين أو القلب.”

 

مارك توين في دمشق بين الانبهار والنقد

كان مارك توين يدرك أن قرّاءه في أميركا لم يكن لديهم سوى القليل من المعرفة عن المشرق، وغالبًا ما كانت مشبعة بالصور النمطية والأساطير. لهذا، استخدم تجربته في دمشق وفي الشرق عامة لعرض صورة أكثر تعقيدًا وغنى، وإن لم تخلو من التعميم أحيانًا. لقد كتب بنظرة السائح، لكنه لم يقع في فخ الغرابة السطحية، بل حاول سبر الروح التاريخية للمدن التي زارها.

 

كما وجه نقدًا مبطنًا إلى السلوكيات الغربية التي لاحظها أثناء الرحلة، وسخر من التباهي الثقافي لدى بعض السائحين الأميركيين الذين اعتبروا أنفسهم متفوقين حضاريًا على من يزورونهم.

 

دمشق عبر عيون الغرب: من توين إلى الزمن المعاصر

تُعتبر شهادة توين عن دمشق واحدة من أوائل الانطباعات الأدبية الأميركية التي تناولت المدينة بمنظور إنساني وشاعري في آنٍ واحد. ومنذ ذلك الحين، لم تتوقف دمشق عن إلهام الشعراء والرحّالة والكتّاب من مختلف أنحاء العالم.

غير أن هذه الصورة البديعة التي نقلها توين منذ أكثر من 150 عامًا تبدو اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى، في ظل ما مرت به المدينة من حروب وصراعات وتحديات حضارية. تبقى كلماته بمثابة مرآة ناصعة تُذكرنا بأن دمشق ليست فقط موقعًا جغرافيًا أو ساحة سياسية، بل ذاكرة حية للبشرية، وإحدى المدن القليلة التي تستطيع أن تحكي قصص القرون بلغتها الخاصة.

 

الأدب كجسر ثقافي بين الشرق والغرب

لم يكن مارك توين مستشرقًا بالمعنى التقليدي للكلمة، ولم يُعرف عنه اهتمامه العميق بالثقافات الشرقية، لكنه عبر كتابه “البسطاء في الخارج”، أنشأ جسرًا غير متوقع بين أميركا والشرق الأوسط. وقدّم لقرّائه، للمرة الأولى، وجهًا آخر من العالم القديم، بعيدًا عن الصراعات والمصالح الاستعمارية، وجهًا مفعمًا بالجمال والتاريخ والدهشة.

 

ولعل أكثر ما يلفت في وصفه لدمشق، هو أنه يتحدث كإنسان بسيط، مندهش، متواضع أمام عظمة المدينة. وكأن الأدب هنا يعود إلى جوهره الحقيقي: أداة للانفتاح، والتأمل، وإعادة اكتشاف الذات عبر الآخرين 

بعد أكثر من قرن ونصف، لا تزال كلمات مارك توين عن دمشق تُقرأ كأنها كُتبت أمس. إنها شهادة أدبية نادرة على مدينة نادرة. في زمن تكثر فيه الأحكام المسبقة والصور النمطية، يذكّرنا توين بأن السفر لا يعني فقط الانتقال بين الأماكن، بل أيضًا التحول في الرؤية. وقد تحوّل هو نفسه حين رأى دمشق… فتحولت المدينة في عينيه إلى “رؤيا خيالية”، وإلى صورة خالدة في قلب الأدب العالمي.

 

قيم هذا المقال | Rate this post

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى