مقالات و رأيمنبر الكتاب

عالم ما بعد الأحادية: كيف تعيد مجموعة بريكس صياغة النظام الدولي بمعزل عن الوصاية الغربية | د. نبيلة عفيف غصن

يندرج هذا المقال ضمن قسم “منبر الكتّاب”، ويعبّر عن وجهة نظر كاتبته استناداً إلى قراءتها السياسية للأحداث، ولا تعبّر الآراء الواردة فيه بالضرورة عن الموقف التحريري لمنصة Profile News.

د. نبيلة عفيف غصن

منبر الكتّاب

د. نبيلة عفيف غصن

كاتبة وباحثة مهتمة بقضايا الجغرافيا السياسية والتحولات الإقليمية في الشرق الأوسط.


​سقوط الهيمنة وولادة عالم جديد: كيف تعصف بريكس بعرش الأحادية الغربية؟

في اللحظة التاريخية الفارقة التي يترنح فيها النظام الدولي تحت ضربات أزماته الهيكلية، لم يعد انهيار الهيمنة الأحادية الغربية مجرد فرضية نظرية، بل أصبح واقعاً ماثلاً تتكشف معالمه كل يوم. إن زلزالاً جيوسياسياً واقتصادياً هائلاً يعيد رسم خارطة الكوكب بأسره، معلناً انتهاء حقبة الوصاية التاريخية والسطوة المطلقة للمراكز الغربية التي احتكرت مصير البشرية لعقود طويلة؛ ليقوم على أنقاضها نظام عالمي متعدد الأقطاب تقوده دول الجنوب العالمي بوعي إستراتيجي واثق، رافضةً الخضوع لمنظومة الإكراه المالي والاستعماري الجديد الذي ساد لفترة ما بعد الحرب الباردة.

​تآكل شرعية المؤسسات الدولية وتحويل الاقتصاد إلى سلاح

يمثل التآكل المستمر في شرعية المؤسسات الدولية التقليدية، التي أُنشئت في أعقاب الحرب العالمية الثانية وتحديداً منذ عام 1945 لخدمة المصالح والأجندات الغربية، الدافع الرئيسي لتسارع هذه التحولات التاريخية. لقد تحول ما يُعرف اصطلاحاً بفن الدولة الاقتصادي أو السياسة الاقتصادية الخارجية تدريجياً من أداة دبلوماسية لتعزيز التعاون الدولي والتنمية المستدامة إلى سلاح مدمر يُستخدم بفظاعة لفرض الإكراه والسيطرة. لقد غدت العقوبات الاقتصادية، وحصار سلاسل التوريد، واستخدام النظام المالي العالمي كأداة عقابية، وسائل فاعلة تمارسها القوى الغربية ليس لتحقيق الاستقرار أو حوكمة التجارة الدولية، بل لتقويض اقتصادات الدول الرافضة للهيمنة، وسَعياً سافراً نحو الهندسة السياسية وتغيير الأنظمة بالقوة الاقتصادية، كما تجلى بوضوح في العديد من النماذج الإقليمية والدولية المعاصرة.

​مجموعة بريكس كبديل إستراتيجي ونظام مالي مستقل

هذا الاستخدام المفرط للإكراه الاقتصادي أفرز نتائج عكسية على المستوى الإستراتيجي والعالمي. فبدلاً من إخضاع الدول المستهدفة وإجبارها على الانصياع للرؤية الأحادية، أدى إلى خلق حافز قوي ومُلِح لدى قوى الجنوب العالمي للبحث عن بدائل آمنة ومستقلة تحميهم من تقلبات السياسات الغربية وتقلبات العملة الأمريكية. وهنا تبرز مجموعة بريكس كمظلة إستراتيجية كبرى لا تقتصر أهميتها على كونها تكتلاً اقتصادياً تقليديا فحسب، بل تمثل نموذجاً مؤسسياً بديلاً يتيح للدول النامية والصاعدة بناء شبكات تجارية ومالية ومصرفية بمعزل عن الهيمنة الدولارية ونظام سويفت المالي المرتبط بالغرب. إن إنشاء آليات تسوية بالعملات المحلية، وتطوير منصات رقمية بديلة، وتوسيع العضوية لتشمل قوى اقتصادية إقليمية وازنة، يعكس رغبة حقيقية وعميقة في بناء هيكل مالي عالمي عادل ومستقل يحمي مصالح الدول الصاعدة.

​مفترق الطرق نحو التعددية القطبية والاستقلالية الاستراتيجية

إن التوسع الأخير لمجموعة بريكس وانضمام دول ذات ثقل جغرافي واقتصادي وازن يعزز من فرضية الانتقال الحتمي من عالم أحادي القطبية إلى فضاء دولي متعدد الأقطاب تتوزع فيه مراكز الثقل بين آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية. هذا التحول لا يعني بالضرورة قطيعة تامة مع الأسواق التقليدية، بل يشير إلى إنشاء بنية تحتية موازية تعيد الاعتبار لمبدأ السيادة الوطنية والاستقلالية الاستراتيجية. تفقد القوى الغربية تدريجياً قدرتها على فرض الشروط والإملاءات الاقتصادية والسياسية دون تكلفة باهظة، حيث أدركت دول كثيرة أن التنوع في الشراكات الاقتصادية يمثل الضمانة الوحيدة للحفاظ على استقرارها ونموها في عالم متقلب تحكمه الصراعات والنزاعات الجيوسياسية.

​تراجع الهيمنة الدولارية وصعود آليات التسوية البديلة

علاوة على ذلك، يمثل مسار التخلص من الهيمنة الدولارية أو ما يُعرف بمسار إزالة الدولرة التحول الأكثر دراماتيكية في النظام المالي العالمي. فعندما تُستخدم العملة الاحتياطية العالمية كسلاح سياسي عبر تجميد أصول الدول أو حرمانها من شبكات الدفع الدولية، فإنها لا تضر فقط بالدول المستهدفة، بل تزعزع ثقة النظام العالمي بأسره في استقرار وموثوقية الأصول المقومة بالدولار. هذا الواقع دفع دول بريكس إلى الإسراع في تطوير منصات تسوية تجارية مالية مستقلة تعتمد على العملات الوطنية، مما يقلص تدريجياً من نفوذ المؤسسات المالية الغربية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ويخلق فضاءً مالياً آمناً ومستقلاً يتيح للدول النامية حماية اقتصاداتها من الهزات الخارجية المفتعلة.

​أزمة النخب الغربية وقصور استيعاب التغيير البنيوي

على الصعيد النظري والعملي، يواجه الغرب أزمة عميقة في فهم واستيعاب هذا التغير البنيوي. فالنخب الغربية لا تزال تتعامل مع العالم بمنطق الهيمنة الأحادية والوصاية الأخلاقية، متجاهلة الحقائق الموضوعية لصعود قوى جديدة تمتلك رؤى مستقلة للتنمية والنظام الدولي. إن الدول المنضوية تحت لواء بريكس لا تسعى إلى تدمير النظام الدولي القائم بقوة السلاح، بل تسعى إلى تفكيك الاحتكار الغربي للمؤسسات الدولية وبناء بدائل تكفل العدالة وتكافؤ الفرص في توزيع الثروات وإدارة الأزمات العالمية بعيداً عن سياسات ازدواجية المعايير.

​أزمة القيادة الاستراتيجية وبدائل الدبلوماسية الناعمة

وفي سياق متصل، يشكل تراجع الفعالية الدبلوماسية الغربية لصالح الأدوات القسرية دليلاً قاطعاً على أزمة القيادة الاستراتيجية داخل الدوائر الغربية. عندما تفتقر الدول الكبرى إلى أدوات الحوار والتفاوض وتكتفي بالتلويح بالعقوبات الاقتصادية والحصار المالي، فإنها تفقد تدريجياً مصداقيتها وجاذبيتها الناعمة على المسرح الدولي. في المقابل، تقدم مجموعة بريكس نموذجاً مغايراً يعتمد على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، واحترام السيادة الوطنية، وتعزيز التعاون الاقتصادي القائم على المنفعة المتبادلة دون إملاءات سياسية مشروطة. هذا النهج يلقى قبولاً واسعاً وترحيباً متزايداً من الدول الساعية إلى التحرر من التبعية التقليدية وتحقيق تنمية مستدامة حقيقية.

​الصراع بين نموذجين للتنظيم العالمي

إن صعود هذا التكتل يضع النقاط على الحروف في فهم الطبيعة الحقيقية للصراع الدولي الراهن. إنه ليس صراعاً أيديولوجياً بالمعنى التقليدي للحرب الباردة، بل هو صراع بين نموذجين للتنظيم العالمي: نموذج غربي يقوم على الهيمنة الأحادية، والإكراه المالي، وفرض القيم عبر التدخلات السافرة؛ ونموذج صاعد متعدد الأقطاب يقوده تجمع بريكس ويقوم على أسس التعددية، واحترام التنوع الحضاري والثقافي، والتعاون الاقتصادي القائم على الندّية والمصالح المشتركة.

​تداعيات التحول التاريخي على الأمن القومي والاقتصاد

إن تداعيات هذا التحول التاريخي ستكون عميقة وبعيدة المدى على بنية الأمن القومي والاقتصاد العالمي خلال العقود القادمة. فالعالم يتجه بخطى ثابتة نحو مرحلة ما بعد الهيمنة الغربية، حيث لم تعد القوة الاقتصادية والتكنولوجية حكراً على الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين. إن صعود الصين وروسيا والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا، إلى جانب الدول المنضمة حديثاً، يشكل قوة دفع هائلة لإعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية العالمية وفق قواعد أكثر توازناً وعدالة تمثل طموحات غالبية شعوب الأرض التي عانت طويلاً من تبعات التهميش الاقتصادي والسياسي.

​حتمية سقوط الإمبراطورية وصعود الفضاءات الحرة

إننا نقف اليوم على حافة الهاوية التي تفصل بين عصرين: عصر الاستبداد الإمبراطوري الذي أكل الأخضر واليابس باسم الديمقراطية الزائفة، وعصر التحرر الشامل الذي تبنيه مجموعة بريكس مدماكاً إثر مدماك. إن محاولات الغرب البائسة للتشبث بخيوط الهيمنة المتآكلة عبر سياسات التجويع والبلطجة المالية لن تهزمه سوى بمزيد من التسارع نحو الهاوية الساقطة فيها إمبراطوريات الوهم. لقد أزفت ساعة الحقيقة، وسقطت الأقنعة عن وجه نظام عالمي متهاوٍ لم ينجب سوى الحروب والخراب. إن بريكس اليوم ليست مجرد تجمع اقتصادي عابر، بل هي المطرقة الحديدية التي تحطم أصنام الأحادية القطبية، لتعلن بجهد وعرق شعوب الجنوب ولادة عالم حر، سيّد، ومستقل، لا مكان فيه للجلادين ولا لعصا الاستعمار الحديث!


إقرأ أيضًا:

5/5 - (1 صوت واحد)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى