مخطط “نفو” الإسرائيلي: رؤية تاريخية وانعكاساتها في سوريا ولبنان اليوم | ديانا البسط

مخطط “نفو” الإسرائيلي: رؤية تاريخية…
منذ تأسيسها، سعت إسرائيل إلى توسيع نفوذها الجغرافي والاستراتيجي، سواء عبر القوة العسكرية أو من خلال التحالفات السياسية والاقتصادية. مخطط “نفو” لعام 1953، الذي تم إعداده بناءً على مسح عسكري شامل، كشف عن رؤية طويلة المدى للتوسع الإسرائيلي في المنطقة، وهو ما يبدو أنه يُنفذ على مراحل حتى يومنا هذا، سواء في فلسطين المحتلة، جنوب لبنان، أو حتى داخل الأراضي السورية.
في ظل التطورات الحالية، نجد أن السياسات الإسرائيلية تجاه سوريا ولبنان تتماشى مع هذا المخطط، حيث نشهد ضربات جوية متكررة على الأراضي السورية، واستهدافاً للبنية التحتية والمناطق الحيوية. فهل نحن أمام “إحياء مخطط نفو” بأسلوب جديد؟
مخطط “نفو” لعام 1953: الأهداف والتوجهات

وفقًا للمخطط، كان من المفترض أن تمتد السيطرة جنوبًا لتشمل شبه جزيرة سيناء، بالإضافة إلى الضفة الغربية وشرق الأردن، مع توسيع الحدود الشرقية لتصل إلى الصحراء السورية، وفرض السيطرة على جانبي خليج العقبة. أما في الشمال، فقد نص المخطط على توسيع النفوذ ليشمل مناطق حوران والجولان، وصولًا إلى قمة جبل الشيخ وجنوب لبنان، حتى مصب نهر الليطاني
وبالحيثيات، فقد تأسس المخطط على رؤية استراتيجية تسعى إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية:
السيطرة الجغرافية والمائية
- التوسع نحو الجولان السوري والباشان وحوران، وهي مناطق ذات أهمية استراتيجية بسبب موقعها المرتفع ومصادر المياه الغنية فيها.
- الاستحواذ على جنوب لبنان حتى نهر الليطاني، بهدف السيطرة على المياه العذبة وتقليل اعتماد إسرائيل على مصادر خارجية.
- إضعاف الدول المحيطة ومنعها من تشكيل تهديد حقيقي عبر التدخل العسكري المباشر أو عبر الحروب بالوكالة.
تغيير التركيبة السكانية
- تشجيع هجرة الفلسطينيين والعرب من المناطق المستهدفة من خلال العوامل الاقتصادية والأمنية.
- فرض حصار اقتصادي وضغوط معيشية، كما هو الحال مع غزة وجنوب لبنان وسوريا.
تأمين التفوق العسكري والدبلوماسي
- منع إيران أو سوريا أو أي قوى أخرى من إنشاء تحالفات عسكرية ضد إسرائيل.
- تعزيز العلاقات مع القوى العالمية لضمان الدعم المالي والسياسي والعسكري المستمر.
تنفيذ المخطط في سوريا ولبنان اليوم:
تحليل للواقع الحالي
التحركات العسكرية في سوريا
- الضربات الجوية الإسرائيلية المتكررة على سوريا تستهدف مواقع عسكرية واستراتيجية، خاصة في ريف دمشق وحلب، بهدف منع تعزيز القدرات الدفاعية السورية.
- استهداف البنية التحتية العسكرية، مثل مطارات عسكرية ومستودعات أسلحة، لضمان عدم قدرة سوريا على استعادة توازنها العسكري.
- الضغط المستمر على الجولان السوري المحتل لمنع أي محاولة لاستعادته، ولتعزيز الوجود الإسرائيلي في المناطق الحدودية.
- دعم حركات انفصالية أو معارضة لتقسيم الدول وتفكيكها، كما حدث في العراق وسوريا.
التصعيد في جنوب لبنان
- الاستهدافات العسكرية الإسرائيلية المتكررة لمواقع في الجنوب اللبناني تتماشى مع رؤية “نفو” التي تضع نهر الليطاني والمنطقة الجنوبية للبنان كأهداف استراتيجية.
- الضغوط الأمنية المتزايدة على القرى اللبنانية الحدودية، بهدف خلق بيئة غير مستقرة تدفع السكان للنزوح وتقليل الوجود السكاني في المنطقة.
- استغلال التحولات السياسية اللبنانية لمنع تشكيل أي جبهة مقاومة موحدة يمكن أن تعيق الأهداف الإسرائيلية في المنطقة.
التأثير على موازين القوى الإقليمية
- تقويض النفوذ الإيراني والسوري في المنطقة من خلال استهداف خطوط الإمداد اللوجستية بين سوريا والعراق ولبنان.
- توظيف التحالفات الجديدة والتطبيع مع بعض الدول العربية لتعزيز العزل السياسي لسوريا ولبنان.
- استمرار فرض العقوبات الاقتصادية والضغوط الدولية لضمان عدم تعافي الدول المستهدفة بما يكفي لتحدي السياسات الإسرائيلية.
ردود الفعل الإقليمية والدولية
في لبنان
- الحكومة اللبنانية تدين الهجمات الإسرائيلية، لكنها تواجه ضغوطًا سياسية داخلية تعيق قدرتها على اتخاذ خطوات جادة لمواجهة التصعيد.
- يزداد الدعم الشعبي للمقاومة في الجنوب، مما يُعقّد أي محاولات إسرائيلية لإضعاف الجبهة الداخلية.
في سوريا
- تستمر دمشق في محاولات استعادة سيادتها على كامل أراضيها، لكن الضغوط العسكرية والاقتصادية تعيق قدرتها على التحرك بفعالية.
- التحالفات السورية مع إيران وروسيا تلعب دورًا في الحد من النفوذ الإسرائيلي، لكنها لم تصل إلى مستوى منع الضربات الجوية المستمرة.
- استغلال النزاع السوري لتعزيز التوسع الإسرائيلي
منذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011، زادت إسرائيل من تحركاتها العسكرية والاستخباراتية داخل الأراضي السورية.
دوليًا
- الأمم المتحدة ودول أوروبية تعبر عن قلقها من التصعيد الإسرائيلي في سوريا ولبنان، لكن المواقف الدبلوماسية لا تتحول إلى إجراءات ملموسة.
- واشنطن تدعم العمليات الإسرائيلية باعتبارها “دفاعًا عن النفس”، مما يمنح إسرائيل الضوء الأخضر للاستمرار في استراتيجيتها.
ماذا بعد؟ السيناريوهات المحتملة
استمرار الضغوط العسكرية والسياسية:
- من المتوقع أن تستمر إسرائيل في تنفيذ الضربات الجوية في سوريا، مع التركيز على المناطق القريبة من الحدود العراقية-السورية لمنع نقل الأسلحة وتعزيز القدرات العسكرية السورية.
استغلال النزاع السوري لتعزيز التوسع الإسرائيلي وإبقاء مناطق معينة خارج سيطرة الحكومة المركزية السورية.
تصعيد في جنوب لبنان؟
- في حال استمرار الاستهدافات الإسرائيلية للجنوب اللبناني، قد نشهد مواجهات أوسع نطاقًا، خاصة مع ارتفاع مستوى التوتر السياسي في البلاد.
توسع النفوذ الإسرائيلي على المدى الطويل:
- إسرائيل قد تسعى إلى إقامة “مناطق آمنة” داخل سوريا أو جنوب لبنان، كما فعلت في الماضي، بهدف تحييد المخاطر العسكرية والسياسية.
مخطط “نفو 2.0”: هل تنفذه إسرائيل تدريجيًا؟
ما يحدث اليوم في سوريا ولبنان لا يبدو بعيدًا عن المخطط الذي وضعه الجيش الإسرائيلي عام 1953. إذا نظرنا إلى الواقع الحالي، نجد أن العديد من بنود المخطط يتم تنفيذها بأساليب حديثة، مثل:
- الحروب غير المباشرة (Proxy Wars) بدلًا من الاحتلال المباشر.
استخدام الأزمات الداخلية كأداة لتمرير المشاريع التوسعية. - إضعاف الدول المستهدفة اقتصاديًا وسياسيًا لضمان تفوق إسرائيل على المدى الطويل.
إذن، هل ما نراه اليوم هو تنفيذ مباشر لمخطط “نفو”؟ أم أننا نشهد نسخة أكثر تطورًا من هذا المخطط؟
يبقى السؤال مفتوحًا، لكن الوقائع على الأرض تشير إلى أن الأهداف الإسرائيلية لم تتغير، بل فقط الأدوات والأساليب!








