المقال الأسبوعيعلى الوتر الحساس

مسرح 11 أيلول

الفصل التالي: السعوديّة؟

أحيت الولايات المتحدة ذكرى ضحاياها الذين قتلوا في الحادي عشر من أيلول 2001، ذلك اليوم الأكثر مأساويّة في التاريخ الأميركي على الاطلاق. على أنَّ المناسبة هذه السنة والتي تشير إلى انقضاء عقدين على أحداثها، تترافق مع إسدال ستارة الوجود العسكري في أفغانستان من جهة، وتجدد ارتفاع أصوات عائلات الضحايا بضرورة الكشف عن المعلومات التي لا تزال طي الكتمان في وثائق لم يُسمح بنشرها تحت ضغط الاستجابة لما تسميه الإدارة الأميركية بـ (ضرورات الأمن القومي) والمصالح الاستراتيجية العليا للولايات المتحدة.

منذ تشكيل لجنة التحقيق في هذه الأحداث في العام 2002، بدأت الشكوك تتزايد حول ما يمكن أن تتوصل له من حقائق، وما يمكن أن تنشر من هذه الحقائق. في البداية أخذ وجود هنري كيسنجر على رأس اللجنة معاني عملية ورمزية في آن تشير في أحد جوانبها إلى أن عملها سيتم ضبطه على إيقاع موجبات (ضرورات الأمن القومي) والمصالح الاستراتيجية العليا للبلاد، ومن ثم كان لاستقالته السريعة منها حتى لا يضطر إلى كشف معلومات تتعلق بمن يعمل معهم، كان لهذه الاستقالة وقعاً محفّزاً لتوسع دائرة الشكوك حول الوصول إلى الحقيقة التي يفترض إعلانها كما هي؟!       ومع الكشف عن أسماء أعضاء تنظيم القاعدة الذين نفذّوا الهجوم، والذين بلغ عددهم (19)، تبين أن (15) منهم من الجنسية السعوديّة، و (2) من الامارات، وواحد من مصر والأخير من لبنان. مع هذا الكشف اتجهت الشكوك في أغلبها نحو السعودية التي تربطها بالولايات المتحدة علاقة استثنائية في مستواها وطبيعتها.

منذ تاريخ تشكيل اللجنة، التي وضعت تقريراً من (900) صفحة، وإلى الآن استمرت الشكوك ذاتها في ظلّ امتناع الإدارات المتعاقبة على البيت الأبيض من نشر كل الوثائق المتعلقة بالتحقيقات. في العام 2016 وتحت ضغط احتجاجات أهالي الضحايا وتبني السناتور بوب غراهام الذي كان عضواً في لجنة التحقيق لمطالب الكشف عن مضمون الوثيقة (17)، سمح الرئيس باراك أوباما بنشر تلك الصفحات الـ (28) التي تتضمن فقرة تُحاكي الشكوك حول مسؤوليّة أفراد من الحكومة السعودية في وقوع الهجوم.

جاء في تلك الفقرة: (خلال وجودهم في الولايات المتحدة أجرى عدد من قراصنة الجو الذين شاركوا في اعتداءات الحادي عشر من أيلول اتصالات بأشخاص يمكن أن يكونوا مرتبطين بالحكومة السعوديّة أو تلقوا دعماً منهم).

ومع دخول الانسحاب من أفغانستان مرحلته الأخيرة واقتراب حلول الذكرى العشرين لهذه الأحداث، ارتفعت الأصوات مجدداً لكشف ونشر الوثائق التي لا تزال طي الكتمان. الاحتجاجات المتجددة لعائلات الضحايا مع عوامل أخرى قد تفصح عن نفسها مستقبلاً دفعت الرئيس جو بايدن لتوقيع أمر تنفيذي (يتضمن توجيهات لوزارة العدل ووكالات أخرى ذات صلة، للإشراف على مراجعة لرفع السرية عن وثائق متعلقة بتحقيقات مكتب التحقيقات الفيدرالي بخصوص أحداث الحادي عشر من أيلول… وذلك خلال ستة أشهر). وأضاف بايدن في تصريح لاحق: (المعلومات التي تم جمعها في تحقيق حكومة الولايات المتحدة في هجمات الحادي عشر من أيلول الإرهابية، يجب الكشف عنها الآن، إلاَّ عندما تشير أسباب قوية محتملة وممكنة إلى خلاف ذلك).

صباح السبت ومع إحياء الذكرى العشرين، تم الكشف عن أول وثيقة مؤلفة من (16) صفحة، لم تخرج عن مضمون الفقرة التي وردت في الوثيقة (17) وسبق نشرها منذ خمسة أعوام، والتي لا تؤكد أية علاقة لأشخاص مرتبطين بالحكومة السعودية بأحداث 11 أيلول.

دون أدنى شكّ، تنتمي هذه الفقرة صياغةً إلى منهج النَصّ الملتبس الذي يتميز بـ (مدخل متحرك ومُوارب)، حيث اتجاه المدخل يحدد المكان الذي يمكن الوصول إليه، وبالتالي المعنى الذي سيصار إلى كشفه.

الارتياح الذي أبدته الحكومة السعودية، بعد نشر تلك الوثيقة جاء من اتجاه (الباب المُوارب) وليس من مضمون النص. حيث تُقرأ الفقرة على النحو الذي يشير إلى عدم وجود دليل يدين المملكة السعودية كدولة… إلاَّ...؟ وهذه الـ (إلاَّ) تتيح المجال لتحريك اتجاه (الباب المُوارب) في لحظة ما؟

وكالة المخابرات المركزية الأميركيّة لم تؤكد (بشكل نهائي – لاحظ طبيعة العبارة) الارتباط بين (قراصنة الجو) و(أشخاص على علاقة بالحكومة السعودية).

يمكن معاينة النصّ الملتبس وبابه الموارب، من كلمات ثلاث مفتاحية. الأولى هي (إلاَّ) التي استخدمها الرئيس بايدن والتي تتيح له مسبقاً اتخاذ قرار بعدم الكشف عن بقية الوثائق لتوفر (أسباب قوية) غالباً ما يُعبر عنها بضرورات الأمن القومي. والثانية والثالثة هي (شكل نهائي) التي نقلت عن السي أي اي، بخصوص تأكيد دلائل الارتباط بين القراصنة وأشخاص على علاقة بالحكومة السعودية.

وعلى ذلك، يظلّ قرار كشف الوثائق بيد الرئيس ويخضع لموجبات المصالح الأميركية العليا، فيما حسم (المسؤوليّة السعودية) ودورها في هذه الأحداث، يعود إلى وكالة المخابرات المركزية. فيما الوثائق مهما كانت وما سيُنشر منها لاحقاً سيبقى أسير النص الملتبس وبابه المتحرك والموارب.

بعد عشرين عاماً على ذلك اللهب الجهنمي الذي اشتعل في منهاتن / نيويورك، وبسببه ارتفعت تلك المنصة التي تواصل الولايات المتحدة الإطلالة منها على العالم… بعد مرور هذين العقدين تم اسدال الستارة على (المشهد الأفغاني) الذي سيكتفي العرض فيه الآن بأبطاله (المحليين)… وبسبب ذلك ستعود الأنظار لتتجه نحو المنصة نفسها، التي تتعالى فيها أصوات عائلات الضحايا، وتتغير فيها المعطيات وربما العوامل المحددة لما يُعرف بـ (ضرورات الأمن القومي).

لكن، يبقى التساؤل عن العرض المقبل قائماً؟ أين ومن؟

ثمّة من يرى الباب المُوارب وهو يتجه نحو السعودية!!

لكن تبقى (إلاَّ) الرئيس موجودة مع مقبض الباب نفسه.

5/5 - (1 صوت واحد)
المصدر
sergil.net

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى