تحليل السياسة العالمية

نقطة التقاء نادرة بين ترمب وشي.. هل بدأت تفاهمات هرمز بين واشنطن وبكين؟

يتحول مضيق هرمز تدريجيًا إلى نقطة تقاطع نادرة بين المصالح الأميركية والصينية والإيرانية، مع تصاعد التحركات الدبلوماسية الرامية إلى منع اضطراب جديد في أسواق الطاقة العالمية والتجارة البحرية.

ففي وقت تتصاعد فيه المخاوف المرتبطة بأمن الملاحة البحرية وتقلبات أسعار النفط، تبدو القوى الكبرى أكثر ميلًا إلى إدارة التوتر بدل دفعه نحو مواجهة مفتوحة قد تهدد الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد الدولية.

وجاءت التصريحات المتبادلة بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جين بينغ لتعزز هذا الاتجاه، بعدما وصف شي زيارة ترمب إلى بكين بأنها “تاريخية”، مؤكدًا أن الصين والولايات المتحدة يجب أن تكونا “شريكتين لا خصمين”، وفق ما نقلته رويترز.

من جهته، تحدث ترمب عن “محادثات إيجابية وبناءة” مع الرئيس الصيني، معتبرًا أن التعاون بين البلدين قد يفتح المجال أمام مرحلة أكثر استقرارًا اقتصاديًا، كما دعا شي جين بينغ إلى زيارة الولايات المتحدة في سبتمبر المقبل.

مضيق هرمز يدخل تفاهمات واشنطن وبكين وسط تحركات لمنع أزمة طاقة عالمية

هل تتحول تفاهمات مضيق هرمز إلى مدخل لتهدئة الطاقة العالمية؟

تعكس التحركات الأخيرة إدراكًا متزايدًا لدى القوى الكبرى بأن أي اضطراب واسع في مضيق هرمز قد يؤدي إلى صدمة جديدة في أسعار النفط وسلاسل الإمداد العالمية، ما يدفع واشنطن وبكين إلى البحث عن مساحات تهدئة مشتركة رغم استمرار التنافس الاستراتيجي بينهما.

التحركات الحالية لا تبدو مرتبطة بالملف التجاري فقط، بل تعكس محاولة أوسع لمنع أي اضطراب طويل في تدفقات النفط والتجارة البحرية، خصوصًا في ظل الأهمية الاستراتيجية التي يمثلها مضيق هرمز بالنسبة للأسواق العالمية.

ويمر عبر المضيق جزء أساسي من صادرات النفط العالمية، بينما تعتمد الصين بصورة متزايدة على واردات الطاقة القادمة من الخليج، ما يجعل استقرار الملاحة البحرية عنصرًا حيويًا بالنسبة للاقتصاد الصيني وسلاسل التوريد الصناعية المرتبطة به.

وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن أي تعطيل واسع للممر البحري قد ينعكس مباشرة على تكاليف الشحن وأسعار النفط والتضخم العالمي، في وقت تحاول فيه بكين حماية تعافيها الاقتصادي والحفاظ على استقرار صادراتها الصناعية إلى الأسواق الدولية.

وكانت الأسواق قد شهدت خلال الأسابيع الماضية موجات من التقلب الحاد مع تصاعد المخاوف المرتبطة بأمن الملاحة في الخليج، وهو ما انعكس على أسعار الطاقة وحركة الأسواق العالمية، بحسب ما تناولته Profile News سابقًا في تقرير حول ارتفاع أسعار النفط وتأثيرها على الأسواق العالمية.

وفي تطور لافت، نقلت وكالة فارس الإيرانية عن مصدر مطلع أن طهران بدأت السماح بعبور عدد من السفن الصينية عبر مضيق هرمز وفق ترتيبات خاصة مع بكين، وهي معلومات لم تؤكدها حتى الآن مصادر غربية مستقلة بصورة موسعة.

وبحسب التقرير الإيراني، جاءت هذه الترتيبات بعد تنسيق بين وزير الخارجية الصيني والسفير الصيني في طهران، في خطوة قد تعكس حرص بكين على تأمين تدفق الطاقة والبضائع الصينية في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة.

كما نقلت رويترز مضمون ما أوردته وكالة فارس، مع الإشارة إلى أن الرواية الإيرانية لا تزال بحاجة إلى تأكيدات إضافية من أطراف مستقلة.

وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة لأنها تكشف تداخلًا متزايدًا بين ملفات التجارة والطاقة والأمن البحري، في وقت تسعى فيه واشنطن وبكين إلى منع انتقال التوترات الجيوسياسية إلى أزمة اقتصادية عالمية جديدة.

وفي مؤشر إضافي على تصاعد الاتصالات الدولية المرتبطة بالملف الإيراني وأمن الملاحة، قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن الرئيس دونالد ترمب ناقش الملف الإيراني مع نظيره الصيني شي جين بينغ، مؤكدًا أن بكين أبلغت واشنطن رفضها عسكرة مضيق هرمز أو فرض رسوم على العبور، وهو ما يتقاطع مع الموقف الأميركي الداعي إلى حماية حرية الملاحة الدولية.

وفي السياق نفسه، نقل التلفزيون الإيراني عن مسؤول في بحرية الحرس الثوري أن طهران سمحت بعبور 30 سفينة عبر مضيق هرمز منذ الليلة الماضية، وهي معلومات لم تؤكدها حتى الآن مصادر دولية مستقلة بصورة كاملة.

كما أعلنت الخارجية القطرية أن رئيس الوزراء وزير الخارجية بحث مع وزيرة خارجية كندا تطورات وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران، في إطار تحركات دبلوماسية أوسع تهدف إلى احتواء التصعيد ومنع تحوله إلى مواجهة تهدد أسواق الطاقة والتجارة العالمية.

ويأتي ذلك بينما تواجه الاقتصادات الكبرى ضغوطًا مرتبطة بالتضخم وأسعار الفائدة وتباطؤ النمو، ما يجعل استقرار أسعار الطاقة أحد الملفات الأكثر حساسية بالنسبة لصناع القرار في الولايات المتحدة والصين وأوروبا.

وكانت Profile News قد تناولت سابقًا تأثير التباطؤ الاقتصادي الصيني على حركة الأسواق العالمية في تقرير بعنوان الاقتصاد الصيني والأسواق العالمية.

وفي هذا السياق، قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن استقرار الملاحة في مضيق هرمز يصب في مصلحة الصين بشكل مباشر، متوقعًا أن يؤدي تراجع المخاطر الجيوسياسية إلى انخفاض أسعار النفط خلال الأشهر المقبلة، وفق تصريحات نقلتها رويترز.

ويعكس هذا الموقف إدراكًا متزايدًا داخل واشنطن بأن أي ارتفاع حاد في أسعار الطاقة قد ينعكس على معدلات التضخم والنمو الاقتصادي الأميركي، خصوصًا مع اقتراب الاستحقاقات السياسية والاقتصادية الحساسة داخل الولايات المتحدة.

في المقابل، تبدو الصين معنية بتجنب أي اضطراب طويل في تدفق النفط الخليجي، نظرًا لاعتماد قطاعاتها الصناعية والتصديرية على استقرار الإمدادات البحرية وتكاليف الشحن العالمية.

كما أن أي تعطيل واسع في مضيق هرمز قد ينعكس مباشرة على أوروبا وآسيا معًا، سواء عبر ارتفاع تكاليف النقل أو زيادة الضغوط التضخمية على الاقتصادات المستوردة للطاقة.

أما إيران، فتبدو حريصة على إبقاء هامش من السيطرة على الممر البحري دون الوصول إلى مواجهة شاملة قد تؤدي إلى إغلاق كامل للمضيق، مع استمرار استخدامها للموقع الجغرافي كورقة ضغط سياسية واقتصادية.

وكانت Profile News قد ناقشت سابقًا الأبعاد الأمنية والاقتصادية للممر البحري في تقرير بعنوان مضيق هرمز.. ممر ممكن لكنه غير آمن.

ورغم أن المؤشرات الحالية لا تعني وجود اتفاق شامل بين الولايات المتحدة والصين وإيران، فإن تزامن التصريحات السياسية مع التحركات المرتبطة بالملاحة والطاقة يعكس إدراكًا متزايدًا لدى القوى الكبرى بأن استقرار الاقتصاد العالمي بات مرتبطًا بشكل مباشر بأمن الممرات البحرية الحيوية.

كما أن لغة “الشراكة بدل الخصومة” التي استخدمها الرئيس الصيني قد تعكس محاولة لإعادة ضبط العلاقة بين واشنطن وبكين ضمن ملفات محددة، خصوصًا تلك المرتبطة بالطاقة والتجارة ومنع اضطراب الأسواق الدولية.

وتبقى قدرة هذه التفاهمات على التحول إلى ترتيبات طويلة الأمد مرتبطة بمسار العلاقات الأميركية الصينية، إضافة إلى تطورات الملف الإيراني والتوازنات الأمنية المعقدة في الخليج.

لكن الواضح حتى الآن أن ملف مضيق هرمز لم يعد مجرد قضية إقليمية مرتبطة بالخليج، بل تحول إلى محور مركزي في حسابات الاقتصاد العالمي والتنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى، وسط محاولات متزايدة لمنع تحول التوترات الحالية إلى أزمة طاقة عالمية جديدة.

وبينما لا توجد مؤشرات على اتفاق شامل حتى الآن، فإن التحركات المتزامنة بين واشنطن وبكين وطهران تكشف أن أمن الطاقة العالمي بات أحد الملفات القليلة القادرة على فرض التهدئة بين القوى الكبرى، ولو بصورة مؤقتة.

ومع استمرار الاتصالات بين واشنطن وبكين وتزايد التحركات المرتبطة بأمن الملاحة، يبدو أن مضيق هرمز يتحول تدريجيًا من بؤرة توتر إقليمية إلى اختبار مباشر لقدرة القوى الكبرى على منع أزمة طاقة عالمية قد تعيد رسم موازين الاقتصاد الدولي.

قيم هذا المقال | Rate this post

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى