لبنان

بعد تفجير علي الطاهر.. أين تنتقل المعركة الإسرائيلية في الجنوب؟

انفجرت مرتفعات علي الطاهر، لكن معركة جنوب لبنان لم تنتهِ هناك. فبعد العملية الإسرائيلية الضخمة التي استهدفت شبكة الأنفاق والمنشآت تحت الأرض في المرتفعات، لم تنكمش خريطة النار، بل اتسعت من النبطية إلى المنصوري ووادي زبقين ووادي السلوقي وصولاً إلى البلدات الحدودية.

وهنا يبدأ ملف لبنان بعد علي الطاهر: ليس بالسؤال عما دمرته إسرائيل داخل المرتفعات، بل عما تبحث عنه خارجها.

فإذا كانت مرتفعـات علي الطاهر بالفعل مركز ثقل في البنية العسكرية لحزب الله، فإن ما يحدث بعدها يجب أن يكشف آثار فقدانها. أما إذا كانت مجرد عقدة داخل شبكة أوسع، فقد تكون عشرات التفجيرات والغارات التي توزعت على الجنوب أول خيوط البحث عن العقدة التالية.

وفي 10 سبتمبر، ظهرت أول خريطة لهذا الاختبار.

من علي الطاهر بدأت القصة الجديدة

أنهت إسرائيل عملية علي الطاهر بإعلان كبير: تدمير شبكة أنفاق يزيد طولها على كيلومترين، تضم بحسب الجيش الإسرائيلي غرف قيادة ومخازن أسلحة ومنشآت تحت الأرض، ثم الإعلان عن تحقيق ما وصفته بـ«السيطرة العملياتية» على المنطقة.

وكانت رويترز قد وثقت تحول مرتفعات علي الطاهر إلى إحدى أبرز نقاط المواجهة بين إسرائيل وحزب الله، مشيرة إلى موقعها على مسافة تقارب 15 كيلومتراً من الحدود وأهميتها الجغرافية والعسكرية.

لكن أهمية العملية لا يمكن قياسها بحجم الأنفاق التي أعلنت إسرائيل تدميرها وحده.

الاختبار الحقيقي يبدأ بعد التفجير: هل يؤدي سقوط علي الطاهر إلى كشف مواقع أخرى مرتبطة بها، أم تستمر منظومة حزب الله العسكرية من محاور أخرى من دون تأثير يتناسب مع حجم الإنجاز الذي أعلنت عنه إسرائيل؟

وهذا تحديداً ما يجعل خريطة العمليات التي ظهرت خلال الساعات التالية أكثر أهمية.

قصف مدفعي يستهدف بلدة المنصوري

بعد الانفجار.. النار لم تنكمش بل اتسعت

كان من الممكن أن تتحول عملية علي الطاهر إلى نقطة ختام ليوم عسكري طويل. لكن ما حدث على الأرض سار في اتجاه مختلف.

امتدت الغارات وعمليات التفجير والقصف المدفعي عبر مجموعة واسعة من المحاور: النبطية الفوقا، المنصوري، وادي زبقين، وادي السلوقي، الخيام، ميس الجبل ومناطق أخرى في الجنوب.

وفي وقت متأخر من الليل، عادت الضربات الجوية إلى محور وادي زبقين والمنصوري، بعدما كانت النبطية الفوقا قد تعرضت خلال النهار لثلاث غارات متتالية.

هذه الخريطة لا تثبت أن جميع المواقع المستهدفة مرتبطة بعلي الطاهر أو تشكل شبكة عسكرية واحدة.

لكنها تكشف أن التركيز الإسرائيلي على المرتفعات لم يؤدِ إلى تقلص العمليات في بقية الجنوب. وعلى العكس، استمرت الضربات عبر عدة محاور بالتزامن مع العملية الكبرى.

المنصوري.. لماذا أكثر من 30 تفجيراً؟

إذا كان هناك موقع يستحق المراقبة بعد علي الطاهر، فهو المنصوري في قضاء صور.

فبحسب المعطيات الميدانية المتداولة خلال الخميس، نفذت القوات الإسرائيلية أكثر من 20 عملية تفجير في البلدة خلال النهار، بعد عمليات مكثفة كانت قد شهدتها المنطقة في اليوم السابق أيضاً.

وترافق ذلك مع قصف مدفعي، فيما أُبلغ عن إلقاء ما يوصف محلياً بـ«غالونات متفجرة» في المنطقة.

الرقم وحده لا يكشف طبيعة الهدف.

لكن كثافة التفجيرات تطرح سؤالاً يشبه إلى حد بعيد السؤال الذي سبق انكشاف جزء من صورة علي الطاهر: ماذا تحاول إسرائيل تدميره داخل هذه المنطقة؟

حتى الآن، لا تتوافر معلومات مستقلة كافية تسمح بتحديد طبيعة جميع المواقع المستهدفة في المنصوري، أو الجزم بوجود بنية تحت الأرض مشابهة لما أعلن عنه في علي الطاهر.

ولهذا فإن أهمية المنصوري لا تكمن حالياً في الإجابة، وإنما في السؤال الذي تفتحه.

وادي زبقين.. الغارات تستمر حتى الليل

عند الساعة 22:24 من مساء الخميس، تجددت الغارات الإسرائيلية على وادي زبقين والمنصوري في قضاء صور.WhatsApp Video 2026-09-10 at 10.24.32 PM

وتكتسب هذه الضربات أهمية في سياق توقيتها، إذ جاءت في الليلة نفسها التي شهدت العملية الواسعة في علي الطاهر.

وبدل أن يكون تفجير المرتفعات خاتمة العمليات، بقيت الطائرات الإسرائيلية تضرب مواقع أخرى في الجنوب حتى وقت متأخر.

ولا توجد حتى الآن معلومات موثوقة تسمح بالربط العملياتي المباشر بين وادي زبقين وعلي الطاهر، لكن استمرار استهداف المنطقة يجعلها جزءاً من الخريطة التي ينبغي مراقبتها في مرحلة ما بعد المرتفعات.

النبطية تبقى داخل دائرة العمليات

في الاتجاه الآخر، لم تخرج النبطية ومحيطها من المعادلة.

فقد تعرضت النبطية الفوقا بعد ظهر الخميس لغارتين إسرائيليتين عند الساعة 14:35، قبل تسجيل غارة ثالثة بعد أقل من عشرين دقيقة.

كما امتد القصف المدفعي إلى زوطر الشرقية وكفرتبنيت ودوحة كفررمان ومناطق أخرى في المحيط.

وتزداد أهمية هذه الجغرافيا عند وضعها بجوار موقع علي الطاهر، الذي يرتفع شرق النبطية ويطل على مساحات واسعة من الجنوب.

فإذا كانت السيطرة على المرتفعات قد غيرت بالفعل قدرة إسرائيل على المراقبة أو الوصول إلى مناطق أخرى، فإن نمط العمليات حول النبطية خلال الأيام التالية قد يقدم أحد المؤشرات الأولى على النتائج الفعلية للعملية.

خريطة جنوب لبنان تتغير

عند جمع المواقع التي تعرضت للغارات أو القصف أو عمليات التفجير، لا تظهر جبهة واحدة، وإنما عدة محاور متزامنة.

هناك محور النبطية – علي الطاهر، ومحور المنصوري – وادي زبقين في قضاء صور، ومحور وادي السلوقي والبلدات الحدودية، إضافة إلى الخيام وميس الجبل وشبعا وكفرشوبا ومناطق أخرى.

ولا ينبغي تحويل هذا الانتشار الجغرافي وحده إلى دليل على وجود شبكة واحدة تربط جميع هذه المواقع.

لكن السؤال يصبح مشروعاً: هل تتعامل إسرائيل مع مجموعة أهداف منفصلة، أم أنها تحاول تفكيك شبكة أوسع عقدة بعد أخرى؟

الإجابة لن تأتي من عدد الغارات، بل مما ستكشفه العمليات التالية.

هل قادت معلومات علي الطاهر إلى أهداف جديدة؟

هذه هي النقطة الأكثر حساسية في ملف ما بعد علي الطاهر.

إذا حصلت القوات الإسرائيلية داخل المنشآت التي دخلتها على خرائط أو معدات أو وثائق أو معلومات تقود إلى مواقع أخرى، فقد تبدأ نتائج ذلك بالظهور في اختيار الأهداف خلال الأيام التالية.

أما إذا لم يظهر مسار واضح يربط بين علي الطاهر وعمليات لاحقة، فقد يعني ذلك أن المرتفعات كانت موقعاً مهماً بذاته، لكن ليس بالضرورة بوابة إلى بقية البنية العسكرية للحزب.

وكانت رويترز قد نقلت عن مسؤول عسكري لبناني تفاصيل بشأن نطاق السيطرة الإسرائيلية على مداخل منشآت علي الطاهر، في وقت بقي فيه مدى التوغل الفعلي داخل شبكة الأنفاق غير محسوم بصورة مستقلة.

ولهذا فإن الحديث عن مرحلة «ما بعد علي الطاهر» لا يعني افتراض أن إسرائيل حصلت بالفعل على معلومات تقود إلى مواقع أخرى، بل مراقبة ما إذا كانت العمليات المقبلة ستقدم دليلاً على ذلك.

احتمال آخر: إسرائيل تبحث ولا تعرف بعد

هناك سيناريو آخر لا يقل أهمية.

قد لا تكون كثافة العمليات في المنصوري ووادي زبقين والنبطية ووادي السلوقي نتيجة خيط استخباراتي خرج من علي الطاهر أصلاً.

وقد تكون إسرائيل نفسها لا تعرف أين يوجد مركز الثقل التالي، وتستخدم مزيجاً من الاستطلاع الجوي والمعلومات الاستخباراتية والضغط بالنيران والعمليات البرية لاكتشاف البنية المتبقية.

في هذه الحالة، لا تكون خريطة الضربات خريطة «انتقال» من مركز إلى آخر، وإنما خريطة بحث عن المركز التالي.

وهذا الفارق جوهري.

لأن السيناريو الأول يعني أن إسرائيل بدأت تفكيك سلسلة مترابطة، بينما يعني الثاني أن فقدان علي الطاهر لم يكشف بالضرورة الطريق إلى ما بعدها.

البعد الإيراني لم يختفِ

ولا يمكن فصل تطورات جنوب لبنان بالكامل عن الحسابات الإقليمية الأوسع.

فقبل العملية الإسرائيلية الواسعة في المرتفعات، أفادت رويترز بأن إيران حذرت الولايات المتحدة من تداعيات هجوم إسرائيلي واسع على علي الطاهر.

وقد منح ذلك الموقع وزناً يتجاوز حدوده الجغرافية، من دون أن يحسم بالضرورة حجم أهميته داخل البنية العسكرية لحزب الله.

كما يأتي الملف اللبناني ضمن مشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه حسابات إسرائيل وإيران والولايات المتحدة، بالتوازي مع التطورات المرتبطة بإيران ومضيق هرمز.

ملف لبنان.. أين ستكون العقدة التالية؟

علي الطاهر لم تعد السؤال الوحيد.

بعد تفجير المرتفعات، أصبحت المنصوري ووادي زبقين ومحيط النبطية ووادي السلوقي أجزاء من خريطة تحتاج إلى القراءة، لا باعتبار كل ضربة دليلاً على اكتشاف جديد، وإنما باعتبار اتجاه العمليات المقبلة الاختبار الحقيقي لما حققته إسرائيل.

إذا قادت علي الطاهر إلى سلسلة من المنشآت والمخازن والأنفاق ومراكز القيادة، فإن قيمتها ستصبح أكبر بكثير من حدود المرتفع نفسه.

وإذا استمرت العمليات موزعة على الجنوب من دون ظهور هذه السلسلة، بينما بقيت قدرة حزب الله العسكرية تعمل من مناطق أخرى، فسيعود السؤال حول ما إذا كانت أهمية علي الطاهر قد جرى تضخيمها مقارنة بموقعها الحقيقي داخل المنظومة.

أما إذا تحولت إحدى النقاط التي تتعرض اليوم لضغط مكثف، وعلى رأسها المنصوري، إلى مركز معركة جديدة، فقد نكون أمام أول إشارة إلى اتجاه المرحلة التالية.

ولهذا فإن السؤال بعد تفجير علي الطاهر لم يعد: ماذا كان موجوداً تحت المرتفعات؟

السؤال أصبح: أين ستظهر العقدة التالية في جنوب لبنان؟

قيم هذا المقال | Rate this post

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى