تركياأخبارأخبار عالمية

تركيا وشرق المتوسط.. كيف تعيد الممرات التجارية والطاقة رسم التحالفات الإقليمية؟

ممر الهند الشرق الأوسط أوروبا (IMEC): 20 دولة في مشروع منافس لمشروع الحزام والطريق الصيني، يستبعد تركيا شرق المتوسط

 

تشهد منطقة شرق المتوسط والشرق الأوسط تحولات متسارعة ترتبط بالتنافس الدولي على الطاقة والممرات التجارية والنفوذ الجيوسياسي، في وقت تتقاطع فيه مشاريع النقل العالمية مع التحالفات الأمنية والاقتصادية الجديدة.

وفي خضم هذه المتغيرات، تتزايد النقاشات داخل الأوساط السياسية والإعلامية التركية بشأن موقع أنقرة في الترتيبات الإقليمية المقبلة، خاصة مع تصاعد مشاريع الربط التجاري بين آسيا وأوروبا، وتنامي التعاون بين الولايات المتحدة وبعض الدول من حلفائها في شرق المتوسط.

التنافس الأمريكي الصيني

يربط محللون بين التحولات الجارية في الشرق الأوسط والتنافس المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين، لا سيما منذ إطلاق بكين مبادرة “الحزام والطريق” عام 2013، والتي تهدف إلى توسيع شبكات النقل والتجارة والاستثمار عبر آسيا وأفريقيا وأوروبا.

وتمتد المبادرة الصينية إلى أكثر من 170 دولة، وترتبط بما يقارب 70% من سكان العالم، فيما تُقدّر الاستثمارات المرتبطة بها بأكثر من 8 تريليونات دولار في قطاعات البنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا والنقل.

وفي المقابل، تعتبر واشنطن أن تنامي النفوذ الصيني يمثل تحدياً استراتيجياً طويل الأمد، خاصة في مجالات التكنولوجيا وسلاسل الإمداد والطاقة والممرات التجارية الدولية.

ووفق تقرير وزارة الدفاع الأمريكية لعام 2023، تُعد الصين المنافس الرئيسي القادر على إعادة تشكيل النظام الدولي، وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى تطوير سياسات تهدف إلى الحفاظ على تفوقها الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري.

ويشير متابعون إلى أن هذه السياسات تشمل تقليل اعتماد الأسواق العالمية على سلاسل التوريد الصينية، والحد من وصول بكين إلى الرقائق الإلكترونية المتقدمة عبر “تشريع تشيبس” لعام 2022، إضافة إلى تعزيز النفوذ الأمريكي في الممرات البحرية وطرق الطاقة العالمية.

كما تتقاطع هذه السياسات مع محاولات تقليل الاعتماد على المعادن النادرة التي تسيطر الصين على نحو 90% من إنتاجها العالمي، إلى جانب الحفاظ على مكانة الدولار في النظام المالي العالمي.

ممر الهند الشرق الأوسط أوروبا: تقارير تربط المشروع بالمنافسة مع مشروع الحزام والطريق - India-Middle East-Europe Corridor: Reports link the project to competition with the Belt and Road Initiative
The Russian Presidential Press and Information Office, CC BY 4.0, via Wikimedia Commons

ممرات التجارة والطاقة

ضمن هذا السياق، برز مشروع “ممر الهند – الشرق الأوسط – أوروبا” (IMEC)، الذي أُعلن عنه خلال قمة مجموعة العشرين في سبتمبر 2023، باعتباره أحد أبرز مشاريع الربط التجاري الجديدة بين آسيا وأوروبا.

ويضم المشروع الولايات المتحدة والهند والإمارات وإسرائيل وشركاء آخرين، ويهدف إلى ربط الهند بأوروبا عبر ممرات بحرية وبرية تمر من شبه الجزيرة العربية إلى موانئ شرق المتوسط ثم أوروبا.

ويرى خبراء أن المشروع يمثل جزءاً من محاولات تنويع طرق التجارة العالمية وتقليل الاعتماد على المسارات المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق الصينية، بالتوازي مع خطة أوسع أعلنتها دول مجموعة السبع لاستثمار نحو 600 مليار دولار في مشاريع البنية التحتية العالمية.

ورغم ذلك، يشير مختصون إلى وجود فروقات كبيرة بين المشروعين؛ فبينما تمتد مبادرة الحزام والطريق عبر عشرات الدول والقارات، يقتصر ممر الهند – الشرق الأوسط – أوروبا على أكثر من 20 دولة، مع تركيز أكبر على الطاقة والربط الرقمي وسلاسل الإمداد.

وفي الوقت نفسه، ما تزال المضائق البحرية مثل هرمز وباب المندب وملقا تحتفظ بأهمية استراتيجية كبيرة في حركة التجارة والطاقة العالمية، خاصة بالنسبة للأسواق الآسيوية التي تعتمد بشكل رئيسي على صادرات النفط القادمة من الخليج.

ومع تصاعد التوترات الإقليمية خلال الحرب في غزة والتطورات المرتبطة بإيران والبحر الأحمر، عادت إلى الواجهة نقاشات حول إنشاء مسارات بديلة للنقل والطاقة، بما يشمل خطوطاً برية تمر عبر العراق وتركيا وصولاً إلى أوروبا.

تحالفات شرق المتوسط

تنظر دوائر سياسية وإعلامية في تركيا بحذر إلى بعض الترتيبات الإقليمية الجديدة في شرق المتوسط، خاصة في ظل تنامي التعاون بين إسرائيل واليونان وقبرص بدعم أمريكي في ملفات الطاقة والنقل والأمن.

وفي هذا الإطار، يُشار إلى قانون “شراكة الأمن والطاقة في شرق المتوسط” لعام 2019، المعروف باسم “قانون مينينديز – روبيو”، باعتباره أحد التحولات المهمة في السياسة الأمريكية تجاه المنطقة، إذ تضمن تعزيز التعاون مع اليونان وقبرص وإسرائيل، إلى جانب رفع حظر السلاح عن قبرص وفرض قيود مرتبطة ببرنامج مقاتلات “إف-35” بالنسبة لتركيا.

كما برز خلال عام 2026 مشروع قانون جديد تحت اسم “بوابة شرق المتوسط”، يهدف إلى تعزيز التعاون في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل بين إسرائيل واليونان وقبرص، مع إشراك مصر ضمن بعض ترتيبات الممرات الإقليمية.

وترى بعض التحليلات التركية أن هذه المشاريع قد تؤدي إلى تقليص الدور الجيوسياسي لأنقرة في شرق المتوسط، في حين تعتبر أطراف أخرى أن هذه الترتيبات تندرج ضمن إعادة تنظيم أوسع للممرات التجارية والطاقة العالمية.

مفهوم “الوطن الأزرق”

في مواجهة هذه التحولات، تواصل تركيا الترويج لعقيدة “الوطن الأزرق”، وهي رؤية استراتيجية تركز على حماية المصالح البحرية التركية وتوسيع النفوذ الاقتصادي في البحار المحيطة بها.

وتعتبر أنقرة أن اكتشافات الغاز في شرق المتوسط ترتبط بشكل مباشر بأمنها الاستراتيجي وطموحاتها للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة، بينما تنظر بعض الدول الغربية واليونان وقبرص إلى هذه التحركات باعتبارها توسعاً في النفوذ البحري التركي.

ويستخدم بعض الباحثين الأتراك مفاهيم مثل “العازل الهامشي” و”العازل الحازم” لوصف التحول في الدور الإقليمي لتركيا، في إشارة إلى انتقالها من موقع جغرافي يفصل بين مناطق النفوذ والتوتر إلى لاعب يسعى للتأثير المباشر في ملفات الطاقة والنقل والأمن الإقليمي.

ممر الهند الشرق الأوسط أوروبا - الوطن الأزرق - India-Middle East-Europe Corridor - Blue Homeland
Jorge Franganillo, CC BY 4.0, via Wikimedia Commons

التحركات التركية الإقليمية

بالتوازي مع ذلك، كثفت تركيا خلال السنوات الأخيرة تحركاتها الاقتصادية والسياسية في سوريا والعراق ولبنان، ضمن مساعٍ لتعزيز شبكات النقل والطاقة والربط التجاري الإقليمي.

وفي هذا السياق، برز “مشروع طريق التنمية” بين العراق وتركيا، والذي يهدف إلى نقل البضائع والطاقة بين الخليج وأوروبا عبر الأراضي العراقية والتركية.

كما وقعت تركيا في أبريل 2026 مذكرة تفاهم مع سوريا والأردن لإحياء خط سكة حديد الحجاز، في مشروع يهدف إلى ربط الموانئ التركية والسورية بميناء العقبة الأردني ثم السعودية لاحقاً.

وفي لبنان، وسعت أنقرة أنشطتها عبر وكالة التعاون والتنسيق التركية “تيكا” في مجالات الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية، كما طرحت سابقاً استخدام ميناء مرسين بديلاً مؤقتاً بعد انفجار مرفأ بيروت.

وتزامنت هذه التحركات مع استمرار مشاركة القوات التركية ضمن قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان، في وقت تعتبر فيه أنقرة أن استقرار شرق المتوسط يرتبط بمصالحها الأمنية والاقتصادية.

ممر الهند الشرق الأوسط أوروبا - India-Middle East-Europe Corridor
Dhehdbx, CC0, via Wikimedia Commons

التقارب مع الدول العربية

في ظل هذه المتغيرات، اتجهت تركيا خلال الفترة الأخيرة إلى تعزيز علاقاتها مع عدد من الدول العربية، خاصة مصر والسعودية، وسط تقديرات تعتبر أن التعاون الإقليمي قد يسهم في تخفيف حدة الاستقطاب في شرق المتوسط.

وشهدت الأشهر الماضية لقاءات وزيارات متبادلة بين مسؤولين أتراك وعرب، بالتوازي مع استمرار المنافسة الإقليمية حول مشاريع الطاقة والممرات التجارية والتحالفات الأمنية.

ويرى مراقبون أن مستقبل هذه المشاريع والتحالفات سيظل مرتبطاً بمسار التوازنات الدولية والتطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، إضافة إلى مستقبل التنافس الأمريكي الصيني على النفوذ الاقتصادي وطرق التجارة العالمية.


مواضيع ذات صلة:

النفط السعودي الإماراتي إلى أوروبا عبر إسرائيل

الولايات المتحدة والهند: تعاون دفاعي وتفاهمات الطاقة وخطط لتوسيع الجيش الأمريكي 2027

الرفض السعودي يهدد البديل الإسرائيلي لمضيق هرمز

قيم هذا المقال | Rate this post

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى