من الغارة إلى الذاكرة… حين تُكتب خرائط الأمة على أجساد أبنائها | بقلم ديانا البسط

من الغارة إلى الذاكرة… حين تُكتب خرائط الأمة على أجساد أبنائها
شهادة مكتوبة على جدار الزمن،
تسجّل كيف تتحوّل الغارة من فعلٍ عسكري إلى ذاكرة جماعية،
وكيف يُعاد رسم خرائط الأمة لا بالحبر، بل على أجساد أبنائها،
في البيوت المقصوفة، في المدارس المحروقة، وفي العيون التي لم تعد ترى النوم.
هذه الافتتاحية ليست فقط مقالة شهرية، بل محاولة لحفر أثر، وإعادة تذكير بما لا يجوز أن يُنسى…
هنا، بين الجغرافيا والدم… مشهد الأمة لا يُرسم بالحبر وحده
في الخامسة فجرًا، بينما كانت شاشات العالم تُطفأ، كانت أمّ في غزة تلفّ ابنها الصغير بكوفيةٍ لم يجفّ لونها بعد.
لم تبكِ كثيرًا. فقط ضمّته وقالت له بصوتٍ خافت: “بكرا بترجع عالمدرسة… بس بشوارع السما يامّا.”
في التوقيت ذاته، كان سيد في جنوب لبنان يتفقّد بيته المدفون تحت الأنقاض.
نظر إلى الحجارة المتناثرة، ثم جلس على الأرض، وأخرج من جيبه صورة قديمة لزوجته الراحلة.
“هالبيت رجع متل قلبنا… ما عاد في شي إلا الذاكرة.”
هذه ليست صورًا من فيلم، ولا مشاهد من رواية حزينة…
هذه بلادنا تُرسم اليوم لا بالحبر، بل بالدم، بالحسرة، وبعناد لا يموت.
لم تعد القضية مقتصرة على النزاع المسلح، بل باتت جزءًا من مشروع تفريغٍ متعمّد، مشروعٍ يسعى لاقتلاع الجذور التاريخية والثقافية، ليحوّل أوطاننا إلى مساحات متشظية يمكن رسم حدودها وفق مصالح القوى الدولية والإقليمية.
خرائط لا تُرسم على الورق فقط
حين ننظر إلى الشرق الأوسط، نرى سوريا، لبنان، فلسطين، العراق، والأردن…
لكن ما لا نراه في الخرائط هو أن كل خطٍ فيها مرسوم بعظام،
كل اسمٍ محفور على حجر، وكل حدودٍ مشدودة كوتر بين الصبر والخذلان.
في سوريا، الغارات لا تستهدف حجارة، بل احتمالات النهوض. يُراد لهذا البلد أن يبقى في حالة شلل دائم، كجزء من صراع دولي يتجاوز السوريين أنفسهم، ويرسم حدود النفوذ السياسي على أجساد المدنيين وأحلامهم.
شاب سوري يقول:
“صرنا نركّب الأبواب من بقايا الصواريخ… بس عم نكمّل، لأنو حتى اليأس تعب منا.”
الجنوب اللبناني… حيث الأرض تمشي على جمر الانتظار
الجنوب ليس مجرد جغرافيا، بل بوابة صراع مفتوح، ومحطة من محطات مشروع التغيير الديموغرافي والتفريغ السكاني. يُستهدف الجنوب لإلغاء وجوده كخط دفاع أول عن هوية لبنان وكرامته، ضمن سياقٍ إقليمي يرسم الشرق الأوسط الجديد بأدوات القتل والتهجير.
ولكن هناك، أم في بنت جبيل تُحضّر الطعام لعائلتها تحت الأرض، تقول:
“مش مهم الأكل شو هو… المهم نبقى. أهم من الخبز، هو نبقى هون.” فلا للتفريغ الصامت…
فلسطين… الوجع المقيم إقامة دائمة..
المشهد واضح: مشروع إلغاء وجودي كامل، يُستخدم فيه القصف والحصار كأدوات للتطهير الديموغرافي، بغية كسر الإرادة الفلسطينية وإجبار الفلسطينيين على قبول “الحل” وفق شروط المنتصر.
طفل في رفح يكتب اسمه على جدارٍ مهدّم ويقول:
“إذا وقعت المدرسة، لازم اسمي يضل واقف.”
العراق… القلب المتعب من كثرة الحسابات
الصراع في العراق ليس نزاعًا داخليًا وحسب، بل صراع استراتيجي لرسم مناطق نفوذ جديدة. بلدٌ يتم استنزافه بالطائفية والسياسة، يُراد له أن يبقى في دائرة العنف لإضعاف موقعه في توازن القوى الإقليمية.
شيخ من الموصل يقول وهو يغرس نبتة أمام منزله المُهدّم:
“بٍدي إبني ظلّ… مش مهم الشجر يعطيني ثمر، المهم يرجع في ضلّ بهالبلد.”
الأردن… الحافة التي لم تسقط
أما الأردن، فهو نقطة توازن هشة تُمارس عليه الضغوط من كل الجهات، ليبقى في حالة ترقب دائم، بين احتضان موجات اللجوء ومواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية التي تحاول تحويله من حاضن للقضية إلى مجرد مراقب.
فتاة من الكرك تقول:
“من هون بمَرق النَفَس، وإذا سكّروا علينا، رح نفتح النوافذ بإيدينا.”
ترويض الذاكرة… مشروع لا يجوز أن ينجح
القصف والتدمير هدفهما ليس فقط تدمير البنية التحتية، بل ترويض الذاكرة، وإجبارنا على القبول بما يُرسم لنا، وإقناعنا بأن حدودنا، وهويتنا، وحتى أحلامنا، تُرسم من خارج الحدود.
النهضة ليست شعارًا… بل خيار البقاء
حين تُقصف المدن، علينا أن نُعمّر الوعي.
حين يشتدّ الظلام، علينا أن نضيء المستقبل بالوعي التاريخي والسياسي، وأن نتمسك بالحقائق التي تُراد لها أن تُنسى.
ختامًا، نكتب لأننا نرفض أن تُكتب نهايتنا بيد غير يدنا
هذه الأمة يُعاد تشكيلها الآن، لا في المؤتمرات والصفقات، بل في وجوه من فقدوا بيوتهم ولم يفقدوا الحلم.
علينا أن نخلق مساحاتٍ للوعي والمجتمع الواحد، لأن الخيار لم يعد بين البقاء والرحيل، بل بين أن نكون أمةً واعيةً لحقوقها، أو مجرد شعوبٍ تتلقى مصيرها في صمت.
فإما أن نكتب حكايتنا نحن،
أو نُمحى من هوامش كتب التاريخ، كأرقام بلا ملامح…








