ثقافة و فنون

هنا نلتقي شجرة الخروب ووصيّة درويش – بقلم: أنور الخطيب

ولشجرة الخروب حكاية بدأت في مدينة هلسنكي، عندما كان الشاعر الكبير محمود درويش يسجّل حديثاً تلفزيونياً، ونقل الحكاية لصديقه الشاعر الكبير سميح القاسم، يقول درويش: (انقضّ عليّ أحد المحاورين، وهو كاتب فنلندي شهير بهذا السؤال: “هل تعرف كيبوتس يسعور؟”. أجبت: نعم، أعرف مكانه لأني أعرف أنقاضي، ولكن لماذا تحرّك فيّ هذا العطش؟ فقال: “أنا من هناك، أعني عشت عشر سنين ومن حقي أن أعود إلى هناك في أي وقت أشاء”. قلت له وقد تحوّل إلى مرآة: يا سيد دانيال كاتس، يبدو لي أنك تعرف أنني ولدت هناك تحت غرفة نومك. قال: “أعرف..”. قلت: “من علّمك يا دانيال أن تحت كيبوتسك قريتي؟”. قال: “شجرة الخروب، سألت أحد زملائي في الكيبوتس عمّن غرس تلك الشجرة فقال نحن المهاجرين، لكنني أدركت من عمر الشجرة أنه كان يكذب، وأدركت أن أحد أجدادك هو الذي غرسها، فحملت ضميري المعذّب وعدت إلى فنلندا..”.
ويواصل محمود درويش في رسالته لسميح القاسم: (ولكن شجرة الخروب إيّاها التي دلّت المستوطن الأجنبي “البريء” عليّ وعلى أجدادي هي غلاف هويتي، وهي أيضا جلد روحي، إذا كان للروح جلد، هناك ولدت، وهناك أريد أن أُدفن، ولتكن وصيّتي الوحيدة..).
وبهذا يكون درويش قد أوصى أن يدفن عند شجرة الخروب الكائنة في قريته “البروة” في شمال فلسطين، لكنّ أحدا لم يطبّق هذه الوصية، ربّما لأنها لم توثّق رسمياً، أو لأنها وردت في رسالة مؤرخة في 3/6/1986، والأكثر ترجيحاً لأن قرية الشاعر (البروة) تقع تحت الاحتلال الإسرائيلي، ولا شك أن الاحتلال كان سيرفض خشية أن يتحول قبر الشاعر إلى مزار، أو أن يتحوّل إلى سابقة ترمز في باطنها إلى تنفيذ حق العودة حتى لو كان صاحب الشأن ميّتا، لكنني على ثقة من أن المسؤولين في السلطة الوطنية الفلسطينية لم ينتبهوا للرسالة ولا للوصية، رغم أنها منشورة في كتاب ضم الرسائل التي تبادلها الشاعران محمود وسميح في العام 1986 ربما على صفحات الجرائد، ونُشر الكتاب عن دار العودة في بيروت في العام 1990.
ومما جاء في الرسالة ذاتها أن درويش طلب من سميح القاسم أن يعانق شجرة الخروب إذا ما مرّ بها وأن يحفر اسميهما على جذعها، لكن سميح اعتذر في ردّه في رسالة أخرى بتاريخ 10/6/1986 وكتب لدرويش قائلا: (أرجو أن تعذرني، لن أزور شجرة طفولتك في “البروة” ولن أحفر عليها اسمينا.. شيء آخر أستطيعه من أجلي ومن أجلك هو أن أحفر اسمينا على الريح، وأن أنقش الريح على الوطن، وأن أكتب الوطن على لحمي، وأن أنثر لحمي في القصيدة..). ونحن لا نعلم إن كانت إجابة سميح القاسم حقيقية أم شعرية، لكن رده كما يبدو، أخذ منحى خيالياً وشعريا.
كتاب الرسائل الذي تضمن 39 رسالة، وقصيدة لدرويش أهداها لسميح وقصيدة لسميح أهداها لدرويش، لم ينل حظه من الاهتمام من قِبل النقاد والباحثين، فالكتاب محاورة عميقة تجاوزت القضايا الشعرية والأدبية لتنحت في الفلسفة والإنسان المواطن والمنفي، ولتتناول قضايا وجودية جوهرية وأخرى سياسية مباشرة ورمزية، وهو في المجمل كتاب فكري إبداعي فلسفي ونقاش بين مثقّفين عربيين فلسطينيين كبيرين تعامل معهما النقاد والدارسون كشاعرين فقط، ما أوقع علي شخصيتيهما ظلما كبيرا.
أدعو الدارسين والباحثين والنقاد إلى إعادة قراءة هذه الرسائل لما توفّره من مادة ثرية تساعد في سبر أغوار الأديبين العظيمين، رحمهما الله.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى