8 مواقع أثرية وتاريخية في غزة دمرتها آلة الحرب …

في زوايا غزة القديمة، حيث حجارة التاريخ تهمس بحضارات تعاقبت عبر آلاف السنين، تحولت الحرب الأخيرة منذ أكتوبر 2023 إلى إعصار اجتاح ليس فقط الأحياء السكنية، بل أيضًا ذاكرة إنسانية محفورة في جدران أثرية عمرها قرون،فتحت ساحات القتال جروحاً عميقة في جسد المدينة، لكن الجرح الأقسى كان في روحها: تدمير مواقع أثرية كانت شاهدة على عصور الرومان والبيزنطيين والمماليك والعثمانيين… وكأن الحرب لم تكتفِ بحاضر الغزيين، بل أرادت أن تمحو ماضيهم أيضًا…
المسجد العمري: حيث تسقط المئذنة بقذائف وصواريخ ذكية
في قلب غزة القديمة، وقف المسجد العمري الكبير شامخا منذ القرن السابع الميلادي، يحمل في حجارته روايات تحوّله من معبد وثني إلى كنيسة بيزنطية ثم إلى مسجد كثالث اكبر مسجد في فلسطين. لكن في ديسمبر 2023، انهارت مئذنته المهيبة تحت القصف، وتحولت قبته إلى ركام. لم تكن المئذنة مجرد حجر، بل رمزا للتعايش الديني الذي شهدته المدينة، حيث صلّى تحت سقفه مسلمون ومسيحيون جنبا إلى جنب عبر العصور. اليوم، لم يبقَ من تلك الصور إلا ذكريات في أذهان كبار السن، بينما يلف الصمت ساحته التي كانت تعج بالمصلين.
كنيسة القديس برفيريوس: دموع على جدران القرن الخامس
على بعد أمتار من المسجد العمري، في حي الزيتون، تقبع كنيسة القديس برفيريوس التي بناها البيزنطيون قبل 1,500 عام. هنا، كان الحجر يحمل قصصا مسيحية مبكرة، وأيقونات نادرة تروي حياة القديسين. لكن القصف الذي تعرضت له الكنيسة في أكتوبر 2023 مزّق جدرانها، ودفن جزءا من تاريخ المسيحية في غزة تحت الأنقاض. يقول أحد القساوسة الذين خدموا فيها: “كنا نسمع أصوات أجدادنا تتردد بين الجدران… الآن صارت الكنيسة أشبه بقبر لأصوات الماضي”.
ميناء أنثيدون: حين تختفي حضارة تحت البحر
شمال غرب غزة، حيث تلاقي الأرض البحر، كان ميناء أنثيدون الهلنستي شاهدا أخر على حقبة تجارية مزدهرة عمرها 2,300 عام. لكن القصف العسكري حول أطلاله إلى حطام، وأغرق في النسيان آثارا فينيقية ورومانية كانت تروي حكاية غزة كبوابة بين الشرق والغرب. يقول عالم الآثار جمال أبو ريدة: “كان الميناء حلقة مفقودة في تاريخ البحر المتوسط… دمرته الحرب بلا رحمة، وكأنهم يمحون هويتنا البحرية”.
حمام السمرة: آخر حمام عثماني يلفظ أنفاسه
في أزقة غزة القديمة، كان حمام السمرة – الذي بناه المماليك وأعاد إحياءه العثمانيون – تحفة معمارية تجسد فنون الاستحمام العام. لقرون، كان مكانا للاجتماعات والاحتفالات، حيث تختلط روائح الزيوت العطرية بأصوات الضحكات. لكن في نوفمبر 2023، انهارت قبته المزخرفة، وتحولت أحجاره الملونة إلى غبار. تقول أم محمد، جارة الحمام: “كنا نسمع صوت المياه تتدفق من داخله كأنها نبض الحياة… اليوم صار أشبه بجثة صامتة”.
قصر الباشا: عندما تتهاوى عروش المماليك
كان قصر الباشا المملوكي، الذي شيد في القرن الثالث عشر، تحفة دفاعية تروي بطولات حكام غزة. لكن قذيفة في أكتوبر 2023 حطمت أسواره العتيقة، ودفنت تحت أنقاضها تاريخا من السيادة الفلسطينية. يذكر المؤرخون أن القصر كان مقرا لإدارة المدينة خلال الحروب الصليبية، لكنه لم يصمد أمام آلة الحرب الحديثة.
سوق قيسارية: سوق الذهب صار كومة من ركام
سوق قيسارية المقبي بحجارته المتعشقة من العصر المملوكي كان يعج يوما ما بمحلات الصاغة و الورش الصغيرة،اختفى عن الخريطة وصار ركاما
حي التفاح: فسيفساء الرومان تتحول إلى شظايا
تحت أقدام الغزيين، في حي التفاح، كانت أرضية من الفسيفساء الرومانية النادرة تختبئ ككنز مدفون. لكن القصف كشف النقاب عنها بطريقة مأساوية، حين مزّقها إلى قطع متناثرة. يقول علي، شاب في العشرينيات: “كنا نسمع عن وجود آثار تحت منازلنا، لكننا لم نرها إلا حين صارت أشلاءً”.
التراث في زمن الحرب: بين النهب والنسيان
وسط الدمار، تطفو مأساة أخرى: نهب القطع الأثرية من المواقع المدمرة. فبعض السكان، في ظل انهيار النظام الاقتصادي والأمني، يبيعون قطعا أثرية في السوق السوداء كي يواجهوا الجوع. تقول ناهد، عاملة في منظمة محلية: “نخسر تراثا لا يعوض مقابل لقمة خبز… الحرب تجبرنا على أكل ذاكرتنا”.
غزة التي لا تُدفن
رغم الدمار، ما تزال غزة تعلن وجودها بذاكرتها. فتحت الأنقاض، يعثر الأهالي بين الحين والآخر على عملات بيزنطية، أو شظايا فخارية إسلامية، فيجمعونها كقطع أحجية لحضارة مبعثرة. تقول اليونسكو إن ما حدث هو “جريمة ضد الإنسانية”، لكن صوت المنظمات الدولية يغيب تحت صراخ المدافع.
غزة اليوم تشبه شيخا طاعنا في السن، يجلس على كرسيه المهترئ، يروي للأحفاد حكايات المجد القديم بينما تتهاوى جدران بيته فوق رأسه. لكنها، كالعنقاء، تعلّم العالم أن الحضارات لا تموت… بل تُولد من جديد من تحت الرماد.
<
p style=”text-align: right;”>









