
مستقبل اليونيفيل في جنوب لبنان دخل مرحلة حاسمة بعدما دعا مسؤول عمليات حفظ السلام في الأمم المتحدة جان بيار لاكروا مجلس الأمن إلى بدء مفاوضات جدية قريبًا بشأن ما سيأتي بعد انتهاء الولاية الحالية للقوة في 31 ديسمبر/كانون الأول 2026.
وتأتي الدعوة بينما تطالب الحكومة اللبنانية بتمديد مهمة القوة الدولية، في حين ينص القرار الحالي لمجلس الأمن على توقف عمليات اليونيفيل في نهاية العام وبدء عملية سحب منظمة وآمنة تمتد خلال 2027، ما يجعل الأشهر المقبلة حاسمة في تحديد شكل الوجود الدولي في جنوب لبنان.
مستقبل اليونيفيل: لماذا تطلب الأمم المتحدة قرارًا سريعًا؟
قال لاكروا إن المقترحات المتعلقة بوجود أممي مستمر في لبنان لا تزال مطروحة أمام مجلس الأمن، لكنه أشار إلى عدم تسجيل تقدم حتى الآن.
وشدد على أن صدور قرار مبكر سيكون مهمًا لتمكين الأمم المتحدة من التخطيط للمرحلة المقبلة وتحديد ما إذا كانت القوة ستواصل جزءًا من مهامها أو ستبدأ انتقالًا كاملًا نحو الانسحاب.
وتكمن المشكلة في أن قرار مجلس الأمن الحالي لا ينص على تمديد تلقائي بعد 31 ديسمبر، بل على بدء مرحلة خفض وسحب القوة خلال العام التالي.
7500 عنصر في نحو 50 موقعًا جنوب لبنان
لا يزال نحو 7,500 عنصر من قوات اليونيفيل منتشرين في قرابة 50 موقعًا في جنوب لبنان.
وفي حال عدم التوصل إلى اتفاق على تمديد المهمة أو إنشاء صيغة أممية بديلة، يُفترض أن تنتقل مسؤوليات ومواقع تدريجيًا إلى الجيش اللبناني ضمن عملية الانتقال الأمني.
لكن هذا السيناريو يواجه تعقيدات ميدانية كبيرة، إذ تقع غالبية مواقع اليونيفيل الحالية، وفق رويترز، في مناطق باتت تحت سيطرة عسكرية إسرائيلية، ما يثير سؤالًا عمليًا حول كيفية تسليمها إلى الجيش اللبناني.
لبنان يطلب تمديد مهمة اليونيفيل
تدفع الحكومة اللبنانية باتجاه تمديد المهمة الدولية بدل بدء الانسحاب الكامل، مستندة إلى الدور الذي تلعبه اليونيفيل في مراقبة التطورات الميدانية وتسهيل وصول المساعدات إلى بعض المناطق المتضررة.
وتعتبر بيروت أن الانتقال السريع إلى مرحلة الانسحاب في ظل استمرار التوتر العسكري جنوبًا قد يترك فراغًا في آليات المراقبة والاتصال بين الأطراف.
ولم يصدر حتى الآن قرار جديد من مجلس الأمن يغيّر الجدول الزمني المحدد في الولاية الحالية.
موقف أميركي قد يعقّد التمديد
ونقلت رويترز عن دبلوماسيين قولهم إن الولايات المتحدة لا تدعم تمديد الولاية الحالية لليونيفيل.
لكن لاكروا قال إن طلب لبنان يجب أن يؤخذ في الاعتبار، وإن المفاوضات داخل مجلس الأمن قد تؤدي إلى نتيجة بناءة.
ولا يعني ذلك أن رفض التمديد حُسم، إذ لم يصدر حتى الآن قرار نهائي عن مجلس الأمن بشأن مستقبل القوة بعد نهاية 2026.
اقتراحات غوتيريش لوجود أممي جديد
كان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قد قدم خلال العام مقترحات تسمح باستمرار شكل من أشكال الوجود الأممي النظامي في لبنان بعد انتهاء الولاية الحالية.
وقال لاكروا إن هذه المقترحات لا تزال أمام مجلس الأمن، من دون اتخاذ خطوات تنفيذية بشأنها حتى الآن.
وهذا يفتح الباب أمام أكثر من سيناريو: تعديل القرار الحالي، الاتفاق على صيغة أممية جديدة، أو المضي في خطة السحب المقررة.
لماذا يصعب على الجيش اللبناني استلام المواقع فورًا؟
أحد أكثر الملفات تعقيدًا يتعلق بالمواقع التي يفترض أن تنتقل مسؤوليتها إلى الجيش اللبناني.
فوجود قوات إسرائيلية في مناطق تضم عددًا من مواقع اليونيفيل يجعل عملية التسليم المباشر غير واضحة من الناحية الميدانية.
وقال لاكروا إن معرفة ما سيأتي بعد اليونيفيل مهمة لمنع التخلي عن مواقع قبل الأوان، وقبل تحديد الجهة أو الآلية التي ستتولى المهام بعدها.
خط اتصال يمنع تحول الحوادث إلى مواجهة أكبر
لا يقتصر عمل اليونيفيل على الدوريات والمراقبة، إذ تدير القوة أيضًا قناة اتصال تساعد على تخفيف التوتر بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي.
ووصف لاكروا هذا الدور بأنه بالغ الأهمية في ظل وجود قوات لبنانية وإسرائيلية ضمن نطاق جغرافي متقارب، ما يزيد مخاطر وقوع حوادث يمكن أن تتطور بسرعة إلى تصعيد أوسع.
ويرى المسؤول الأممي أن وجود طرف ثالث قادر على التواصل مع الجانبين يبقى عنصرًا مهمًا في احتواء هذه المخاطر.
ماذا تقول الولاية الحالية لليونيفيل؟
تأسست اليونيفيل في جنوب لبنان عام 1978، ثم توسعت مهامها بعد حرب 2006 بموجب القرار 1701.
وتشمل مهامها مراقبة وقف الأعمال العدائية، ودعم انتشار الجيش اللبناني في الجنوب، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، والمساعدة في الحفاظ على منطقة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني خالية من السلاح والعناصر المسلحة غير التابعة للدولة اللبنانية أو اليونيفيل.
أما القرار الأخير المتعلق بالمهمة، فقد حدد 31 ديسمبر 2026 موعدًا لتوقف عملياتها بالشكل الحالي، على أن تبدأ بعد ذلك عملية سحب منظمة وآمنة خلال مدة تصل إلى عام.
الاتحاد الأوروبي يستعد لمرحلة ما بعد اليونيفيل
بالتوازي، بدأ الاتحاد الأوروبي التحضير لمهمة دعم جديدة في لبنان تركز على تدريب الجيش اللبناني وقوى الأمن وتعزيز قدراتهما في مجالات الحدود والأمن البحري ومكافحة التهريب.
وكانت Profile News قد تابعت تفاصيل بعثة الاتحاد الأوروبي في لبنان التي تأتي ضمن الجهود الرامية إلى تعزيز قدرة المؤسسات الأمنية اللبنانية على تحمل مسؤوليات أكبر.
لكن المهمة الأوروبية لا تعني تلقائيًا أنها ستستبدل اليونيفيل أو تقوم بالمهمات نفسها، إذ لم يُعلن عن قرار يمنحها دور قوة فصل أو مراقبة مشابهًا لمهمة الأمم المتحدة.
ثلاثة سيناريوهات أمام جنوب لبنان
استنادًا إلى الولاية الحالية والمقترحات المطروحة، تبدو ثلاثة مسارات ممكنة أمام مجلس الأمن خلال الأشهر المقبلة.
الأول هو التوصل إلى صيغة تسمح باستمرار مهمة أممية عسكرية أو تعديل جدول الانسحاب. والثاني إنشاء وجود أممي جديد بمهام مختلفة أو أقل حجمًا. أما الثالث فهو عدم تغيير القرار الحالي والمضي في وقف العمليات ثم الانسحاب خلال 2027.
ولم يُحسم أي من هذه السيناريوهات حتى الآن.
لماذا أصبح القرار عاجلًا؟
المشكلة بالنسبة إلى الأمم المتحدة ليست سياسية فقط، بل تشغيلية أيضًا.
فالقوة تحتاج إلى وقت للتخطيط لنقل المعدات والأفراد والمواقع، كما تحتاج الحكومة اللبنانية والجيش إلى معرفة المسؤوليات التي ستنتقل إليهما ومتى.
ولهذا يريد لاكروا أن يبدأ النقاش داخل مجلس الأمن قبل الوصول إلى الأسابيع الأخيرة من العام، خصوصًا في ظل الوضع الأمني المتوتر في الجنوب.
ما الذي يحدث في 1 يناير 2027 إذا لم يتغير القرار؟
وفق الإطار المعتمد حاليًا، تبدأ اليونيفيل بعد انتهاء 31 ديسمبر مرحلة الخفض والتصفية والانسحاب المنظم، بدل مواصلة عملياتها الحالية بالشكل نفسه.
لكن استمرار المواجهات ووجود قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية يجعلان الانتقال أكثر تعقيدًا من مجرد إنهاء مهمة إدارية.
ولهذا أصبحت الأسابيع المقبلة اختبارًا سياسيًا لمجلس الأمن: إما تحديد شكل جديد للوجود الدولي في الجنوب، أو السماح ببدء تفكيك مهمة استمرت قرابة خمسة عقود.








