لبنان

بعثة الاتحاد الأوروبي في لبنان لثلاث سنوات.. من الحدود إلى مرفأ بيروت وما بعد اليونيفيل

دخل الدعم الأوروبي للمؤسسات الأمنية اللبنانية مرحلة جديدة مع إقرار بعثة الاتحاد الأوروبي في لبنان لمدة أولية تبلغ ثلاث سنوات، في خطوة تتجاوز التدريب التقليدي للجيش لتشمل أمن الحدود والبحر والمرافئ ومكافحة التهريب والجرائم الإلكترونية، بالتزامن مع اقتراب نهاية العمليات الحالية لقوة اليونيفيل في الجنوب.

لكن القرار الأوروبي لا يعني أن بعثة جديدة انتشرت بالفعل على الأراضي اللبنانية. فقد أقر مجلس الاتحاد الأوروبي إنشاء المهمة رسميًا في 12 أكتوبر 2026، فيما لا يزال التخطيط التشغيلي مستمرًا، على أن يصدر قرار أوروبي منفصل لإطلاقها ميدانيًا بعد استكمال التحضيرات.

بعثة الاتحاد الأوروبي في لبنان: ما الذي أُقر فعليًا؟

أقر وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي إنشاء بعثة دعم جديدة للبنان تحت مظلة السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة للاتحاد، وتحمل اسم EUSM Lebanon.

وحدد القرار مدة أولية للبعثة تبلغ ثلاث سنوات، على أن تعمل تحت تفويض سياسي موحد يضم مسارين متكاملين: عسكري ومدني.

ويقول الاتحاد الأوروبي إن الهدف هو دعم السلام والاستقرار، وتعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية، والمساعدة في ترسيخ الاستقرار بما يتوافق مع قرار مجلس الأمن الدولي 1701.

المسار العسكري: الحدود والبحر والمراقبة

سيتركز المسار العسكري على تقديم الاستشارات والتدريب للجيش اللبناني بهدف تطوير قدراته في أمن الحدود والأمن البحري.

ويشمل ذلك مراقبة الحدود البرية والسيطرة عليها، ورفع قدرات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، ومكافحة التهريب، وتحسين التنسيق العملياتي.

وهذا يجعل المهمة أوسع من برنامج تدريب محدود، لأنها تستهدف أجزاء من البنية العملياتية التي يحتاج إليها الجيش لممارسة سلطة الدولة على الحدود البرية والبحرية.

الأمن الداخلي يدخل المهمة الأوروبية أيضًا

المسار الثاني مدني، ويستهدف دعم قوى الأمن الداخلي عبر الاستشارات والتدريب المتخصص وتطوير منظومات تدريب يمكن استمرارها على المدى الطويل.

ومن الملفات المحددة في القرار الأوروبي مكافحة الجرائم الإلكترونية والتهريب، إضافة إلى دعم حوكمة أمن المرافئ، بما في ذلك مرفأ بيروت.

وهذه النقطة توسع معنى المهمة من التركيز على جنوب لبنان إلى بناء قدرات أمنية تشمل مؤسسات الدولة ومنافذها البرية والبحرية والحضرية.

ماذا يعني إدخال مرفأ بيروت في المهمة؟

إدراج أمن المرافئ، ولا سيما مرفأ بيروت، يضع البعثة في مساحة تتقاطع فيها التجارة والأمن والرقابة الجمركية ومكافحة التهريب.

ولا يمنح القرار الأوروبي قوات أجنبية سلطة إدارة المرفأ، بل يتحدث عن تقديم دعم واستشارات لتطوير الحوكمة والقدرات الأمنية اللبنانية.

وهذا فارق أساسي بين مهمة مساندة للمؤسسات اللبنانية وبين وجود أمني أوروبي يتولى مهامها مباشرة.

هل تحل البعثة الأوروبية مكان اليونيفيل؟

لا يصف الاتحاد الأوروبي المهمة الجديدة بأنها بديل مباشر لليونيفيل.

فاليونيفيل قوة حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة تعمل بموجب قرار من مجلس الأمن ولها تاريخ طويل في مراقبة الخط الأزرق ودعم انتشار الجيش في جنوب لبنان، بينما البعثة الأوروبية الجديدة هي مهمة استشارية وتدريبية تستهدف الجيش وقوى الأمن ومؤسسات الدولة.

لكن توقيت القرار يجعل المسارين مترابطين عمليًا. فمجلس الأمن قرر أن تتوقف عمليات اليونيفيل في 31 ديسمبر 2026 وأن تبدأ بعدها عملية خفض قوامها وانسحابها بصورة منظمة، مع هدف معلن يتمثل في أن تصبح الدولة اللبنانية الجهة الوحيدة التي توفر الأمن في جنوب لبنان.

ولهذا فإن رفع قدرات الجيش قبل مرحلة ما بعد اليونيفيل أصبح عنصرًا مركزيًا في التحضير للفترة المقبلة.

أكثر من عشر دول أوروبية مستعدة للمساهمة

كانت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس قد قالت إن أكثر من عشر دول أعضاء مستعدة للمساهمة بأفراد وموارد في المهمة.

ويعني ذلك أن المهمة لن تعتمد بالضرورة على دولة أوروبية واحدة، بل يمكن أن تتحول إلى إطار يجمع خبرات وتمويلًا وقدرات من عدة دول تحت إدارة أوروبية مشتركة.

لكن الحجم النهائي للبعثة، وأعداد المشاركين، وتوزيعهم الجغرافي، والميزانية التشغيلية، لم تُحسم بعد بصورة نهائية لأن التخطيط الميداني لا يزال مستمرًا.

متى تبدأ البعثة على الأرض؟

هذه هي النقطة التي تحتاج إلى التمييز بين قرار «الإنشاء» وقرار «الإطلاق».

قرار 12 أكتوبر أنشأ EUSM Lebanon رسميًا من الناحية القانونية والسياسية، لكنه لم يحدد تاريخ انتشارها الفعلي.

وبحسب مجلس الاتحاد الأوروبي، سيستمر التخطيط التشغيلي، وبعد اكتماله سيصدر المجلس قرارًا منفصلًا لإطلاق المهمة.

وتقول Reuters إن مسؤولين أوروبيين يستهدفون بدء الانتشار خلال الأشهر المقبلة.

لماذا الآن؟

القرار يأتي في لحظة يواجه فيها لبنان ثلاث ضغوط متزامنة: استمرار التوتر والعمليات الإسرائيلية في الجنوب، واقتراب انتهاء عمليات اليونيفيل، والحاجة إلى زيادة قدرة الجيش والمؤسسات الأمنية على بسط سلطة الدولة.

وكانت Profile News قد عرضت في الملف اللبناني كيف أصبحت الجبهة الجنوبية وحصر السلاح وانتشار الجيش وإعادة الإعمار والأزمة الاقتصادية أجزاء مترابطة من اختبار واحد لقدرة الدولة.

البعثة الأوروبية تضيف الآن عنصرًا جديدًا إلى هذه المعادلة: بناء قدرات المؤسسات اللبنانية قبل مرحلة يتوقع أن تتحمل فيها مسؤوليات أمنية أكبر.

وماذا عن ملف السلاح؟

يتزامن القرار مع النقاش اللبناني حول حصر السلاح بيد الدولة، لكن التفويض الأوروبي المنشور لا يقدم المهمة باعتبارها عملية مخصصة لنزع سلاح حزب الله.

المهمة الرسمية تركز على تعزيز سيطرة الدولة، وأمن الحدود، والقدرات العسكرية والأمنية، ومكافحة التهريب.

عمليًا، يمكن لزيادة قدرة الجيش على المراقبة والانتشار وضبط الحدود أن تؤثر في البيئة التي يُناقش فيها ملف السلاح، لكن ذلك يختلف عن منح البعثة الأوروبية نفسها صلاحية تنفيذ نزع السلاح.

مهمة أوروبية أم اختبار لقدرة الدولة اللبنانية؟

القيمة الحقيقية للمهمة لن تقاس بعدد المدربين الأوروبيين أو مدة السنوات الثلاث وحدها، بل بمدى تحول التدريب والمساعدات إلى قدرات لبنانية دائمة.

فالجيش وقوى الأمن سيحتاجان إلى معدات وتمويل وصيانة وتكنولوجيا واستخبارات وبنية تدريبية يمكن استمرارها بعد انتهاء المهمة الأوروبية نفسها.

كما أن نجاح أي مسار أمني سيظل مرتبطًا بالبيئة السياسية والميدانية: استمرار العمليات الإسرائيلية، انتشار الجيش في الجنوب، مستقبل اليونيفيل، وضبط الحدود والسلاح غير الشرعي.

ما الذي يجب مراقبته الآن؟

أربع نقاط ستحدد وزن بعثة الاتحاد الأوروبي في لبنان خلال المرحلة المقبلة: موعد صدور قرار الإطلاق الفعلي؛ عدد الدول والأفراد المشاركين؛ نوع المعدات والدعم المالي والتقني الذي سيواكب التدريب؛ ومدى التنسيق بين البعثة والجيش اللبناني والأمم المتحدة والشركاء الدوليين خلال انسحاب اليونيفيل.

وبذلك، فإن قرار 12 أكتوبر لا يمثل وصول قوة أوروبية جديدة إلى لبنان بقدر ما يمثل بداية بناء إطار أمني جديد، ستكون فعاليته مرتبطة بقدرة مؤسسات الدولة اللبنانية على تحويل المساعدة الخارجية إلى سيطرة فعلية ومستدامة على الأرض.

المصادر

مجلس الاتحاد الأوروبي – بعثة الدعم الأوروبية إلى لبنان

Reuters – إنشاء بعثة الاتحاد الأوروبي في لبنان

قيم هذا المقال | Rate this post

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى