لبنان

لبنان بين نار الجنوب وضغط السلاح والاقتصاد: إلى أين تتجه البلاد؟

لم تعد أزمات لبنان في أكتوبر 2026 ملفات منفصلة. فاستمرار العمليات الإسرائيلية في الجنوب يتقاطع مع الجدل حول حصر السلاح بيد الدولة، فيما يستعد الجيش اللبناني لتحمل مسؤوليات أكبر مع اقتراب انتهاء مهمة اليونيفيل، في الوقت الذي يواجه فيه البلد اقتصادًا عاد إلى الانكماش وإعادة إعمار تتجاوز قدرة المالية العامة الحالية.

بهذا المعنى، فإن الملف اللبناني لا يختصر اليوم بسؤال الحرب أو السلاح أو صندوق النقد كل على حدة. الاختبار الحقيقي هو ما إذا كانت الدولة تستطيع توسيع سلطتها الأمنية والسياسية والاقتصادية في الوقت نفسه، بينما لا تزال أجزاء من الجنوب تحت السيطرة الإسرائيلية وتتعرض مناطق أخرى للغارات والقصف بصورة شبه يومية.

الملف اللبناني يبدأ من جنوب لم يدخل مرحلة ما بعد الحرب

سجل يوم 11 أكتوبر استمرارًا واسعًا للعمليات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية. وبحسب ملخص ميداني ورد إلى Profile News، نفذ الطيران الحربي الإسرائيلي غارات على المنصوري وطلوسة وكفرتبنيت ووادي الحجير، فيما استهدفت طائرة مسيرة النبطية الفوقا.

وشمل القصف المدفعي كفرتبنيت ووادي زبقين والمنصوري وبيت ياحون والمجيدية ووادي خنسا وحداثا والنبطية الفوقا والخيام وزوطر الشرقية وبيت ليف ومنطقة رباع التبن–كفرشوبا وأطراف برعشيت ووادي السلوقي.

كما سجل الملخص تفجيرات في الخيام وبيوت السياد وإطلاق قنابل مضيئة بين ميس الجبل وشقرا.

هذه الخريطة لا تظهر مجرد استمرار لضربات متفرقة، بل اتساع نطاق الضغط من القرى الحدودية إلى مناطق أعمق في النبطية، بما يبقي عودة السكان وإعادة تشغيل الزراعة والخدمات والبنية المحلية تحت تهديد دائم.

ارتقاء مواطن في ياطر يضع حماية المدنيين مجددًا في الواجهة

وفي تطور منفصل، قال الجيش اللبناني إنه واكب عملية سحب جثمان المؤهل الأول المتقاعد علي عبد الحسن سويدان، وهو في العقد السابع من العمر، بعد استهدافه مباشرة بدبابة إسرائيلية أثناء تفقد ممتلكاته في بلدة ياطر – بنت جبيل.

وقال الجيش إن الحادث يأتي في سياق الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة، واعتبره خرقًا للتفاهمات القائمة وانتهاكًا للقوانين الدولية.

الحادث يعيد طرح مشكلة أساسية في القرى الجنوبية: حتى في المناطق التي يستطيع السكان الوصول إليها، لا تعني العودة بالضرورة عودة الحياة الطبيعية أو حرية الوصول إلى المنازل والأراضي الزراعية.

«المناطق النموذجية» لم تتحول بعد إلى نموذج قابل للتوسع

هذه الفجوة بين الاتفاقات والواقع ظهرت بوضوح في زوطر الغربية، التي كانت أول منطقة تجريبية ضمن تصور أميركي يقضي بانسحاب إسرائيلي تدريجي مقابل توسيع سلطة الدولة ونزع السلاح.

لكن بعد انسحاب القوات الإسرائيلية من البلدة في يوليو، بقيت القوات قريبة في القرى المحيطة، واستمرت الطائرات المسيّرة والتفجيرات والقيود على وصول السكان إلى بعض الأراضي، وفق تحقيق ميداني لـReuters.

كما أن عشرات العائلات التي عادت إلى زوطر الغربية وجدت خدمات الكهرباء والمياه والبنية الأساسية محدودة أو غير متاحة، بينما بقيت مساكن مسبقة الصنع غير مستخدمة بسبب غياب الخدمات.

وهذا يجعل نجاح أي نموذج للانسحاب مرتبطًا بما يحدث بعد خروج القوات، وليس فقط بإعلان الانسحاب نفسه.

السلاح: الخلاف انتقل من المبدأ إلى ترتيب الخطوات

في الداخل، يبقى ملف حصر السلاح أحد أكثر القضايا حساسية، لكن المواقف الأخيرة أظهرت تغيرًا في صيغة النقاش أكثر من تغير نهائي في المواقف.

الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم قال في 6 أكتوبر إن الحزب مستعد للتعاون في القضايا الداخلية، بما فيها حصر السلاح بيد الدولة، على أساس الدستور والقوانين ومن دون ما وصفه بإملاءات خارجية.

لكنه أبقى في الوقت نفسه الانسحاب الإسرائيلي عنصرًا أساسيًا في موقف الحزب، ولم يعلن تسليم السلاح أو جدولًا زمنيًا لتنفيذ ذلك.

في المقابل، قال رئيس الحكومة نواف سلام إن مساري الانسحاب الإسرائيلي وحصر السلاح يجب أن يتقدما بالتوازي، وليس أن ينتظر أحدهما اكتمال الآخر.

وبذلك أصبحت العقدة الأساسية ليست فقط «هل يحصر السلاح؟»، بل من يبدأ أولًا، وما الضمانات التي ترافق كل خطوة.

الجيش اللبناني أمام مهمتين في وقت واحد

الضغط على الجيش لا يأتي من الجنوب فقط. ففي 11 أكتوبر أعلن الجيش تنفيذ عمليات دهم في ريحا – بعلبك، أوقف خلالها عددًا من المطلوبين وضبط أسلحة وذخائر ومخدرات، إضافة إلى عمليات أخرى في نبحا وصبرا وعين الذهب أسفرت عن توقيفات إضافية.

هذا البعد مهم لأن الجيش يُطلب منه في الوقت نفسه أن يوسع انتشاره في الجنوب، يضبط الحدود والسلاح غير الشرعي، ويحافظ على الأمن الداخلي في مناطق متعددة.

أي خطة لتوسيع سلطة الدولة في الجنوب ستصطدم لذلك بسؤال الموارد: عدد الجنود، التجهيز، النقل، المراقبة، الاستخبارات والتمويل طويل الأجل.

انسحاب اليونيفيل يضيف ساعة زمنية جديدة

يزداد هذا الضغط مع اقتراب نهاية مهمة اليونيفيل بصيغتها الحالية. وتنتهي عمليات القوة في 31 ديسمبر 2026، على أن تبدأ عملية سحب القوات والمعدات بصورة تدريجية في النصف الأول من 2027.

وقال قائد اليونيفيل الجنرال ديوداتو أبانيارا إن الانتقال يجب أن يكون منظمًا، بحيث تستطيع القوات اللبنانية ووكالات الأمم المتحدة الأخرى تحمل الوظائف التي كانت تقوم بها القوة الدولية.

وتضم اليونيفيل آلاف الجنود وعشرات المواقع، وتلعب أدوارًا تتجاوز مراقبة الخط الأزرق إلى مرافقة قوافل إنسانية والوصول إلى مناطق يصعب دخولها خلال فترات التوتر.

لذلك فإن نهاية المهمة ليست ملفًا إداريًا أمميًا فقط؛ إنها اختبار لقدرة الدولة اللبنانية على منع فراغ أمني ومؤسساتي جديد في الجنوب.

روما: الدبلوماسية تحاول تحويل وقف النار إلى ترتيب دائم

في المسار السياسي، تستعد لبنان وإسرائيل لجولة جديدة من المحادثات في روما خلال أكتوبر ضمن إطار ترعاه الولايات المتحدة.

وكانت سبع جولات سابقة قد أخفقت في حل الملفات الإقليمية والأمنية الرئيسية، فيما تقول واشنطن إن استمرار المسار التفاوضي هو الطريق المتاح لاستعادة السيادة اللبنانية وضمان الأمن على جانبي الحدود.

Reuters أفادت بأن القوات الإسرائيلية لا تزال تسيطر على ما تصفه إسرائيل بمنطقة أمنية تمتد نحو عشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية في أجزاء من الجنوب.

أما بيروت فتضع الانسحاب الإسرائيلي الكامل في صلب موقفها، ما يجعل أي اتفاق مقبل مرتبطًا مباشرة بملف السلاح وانتشار الجيش وآلية الرقابة الحدودية.

الاقتصاد: التعافي الذي بدأ في 2025 انكسر مجددًا

بعيدًا عن الجبهة، تكشف الأرقام الاقتصادية مدى ضيق المساحة المتاحة للدولة.

قال البنك الدولي في أحدث تقرير عن لبنان إن الاقتصاد مرشح للانكماش بنسبة 6.4% في 2026 بعدما كان قد سجل نموًا يقدر بـ4.2% في 2025.

ويربط البنك هذا الانعكاس بتجدد الحرب منذ مارس، وما نتج عنها من تدمير للمساكن والبنية التحتية ونزوح واضطرابات في سلاسل التوريد وتراجع السياحة والطلب الداخلي.

أي أن لبنان دخل 2026 بمحاولة تعافٍ محدودة، لكنه يعود إلى نهايتها وهو يحتاج من جديد إلى إعادة بناء جزء من رأس المال الذي خسره بدل استخدام الموارد للنمو والاستثمار.

صندوق النقد: الطريق لم يتحول بعد إلى برنامج إنقاذ

في الملف المالي، رحب صندوق النقد الدولي بالتقدم الذي حققه لبنان في قانون إعادة هيكلة المصارف، لكنه يقول إن الوصول إلى برنامج تمويل جديد لا يزال يتطلب خطوات إضافية.

تشمل هذه الخطوات دخول قانون معالجة أوضاع المصارف حيز التنفيذ، وإقرار تشريع للفجوة المالية متوافق مع المعايير الدولية، واعتماد موازنة 2027 وإطار مالي متوسط الأجل يضع الدين على مسار قابل للاستمرار.

لكن الرئيس جوزاف عون أحال مادة من قانون إعادة هيكلة المصارف إلى المجلس الدستوري للمراجعة، ما أعاد فتح النقاش بشأن استقلالية مصرف لبنان والصلاحيات التنظيمية.

وبالتالي، لا تزال العلاقة مع صندوق النقد في مرحلة الإصلاحات المطلوبة وليست في مرحلة تدفق تمويل جديد إلى لبنان.

إعادة الإعمار: الرقم القديم لم يعد يصف حجم المشكلة

قبل موجة الحرب الجديدة في 2026، كان البنك الدولي قد قدر احتياجات التعافي وإعادة الإعمار الناتجة عن النزاع حتى نهاية 2024 بنحو 11 مليار دولار.

لكن هذه التقديرات لا تشمل كامل الدمار الذي وقع منذ تجدد الحرب في مارس 2026.

وقال رئيس الحكومة نواف سلام في سبتمبر إن تكاليف إعادة الإعمار الناتجة عن الحربين منذ 2024 قد تتجاوز 27 مليار دولار، وفق Reuters.

الفارق بين الرقمين يوضح كيف تغير حجم المشكلة: لبنان لم يعد يناقش إصلاح أضرار حرب انتهت، بل إعادة إعمار تتراكم أضرارها بينما العمليات العسكرية ما زالت مستمرة.

200 مليون دولار تفتح سؤالًا عن من يمول العودة

في ظل تأخر إعادة الإعمار الرسمي، قالت مصادر مطلعة لـReuters إن حزب الله حصل على 200 مليون دولار من إيران للمساهمة في مساعدة نحو 50 ألف عائلة متضررة أو نازحة.

وأكد مسؤول في حزب الله أن مبلغًا تم تأمينه وأن خطة للتوزيع ستعلن، لكنه لم يحدد مصدر الأموال. وفي المقابل، نفت واشنطن الرواية المتعلقة بتدفق الأموال الإيرانية.

وبغض النظر عن الخلاف حول المصدر، يكشف الملف مشكلة أعمق: عندما تتأخر الدولة عن تمويل التعويض والإعمار، تظهر شبكات تمويل موازية يمكن أن تتحول بدورها إلى عنصر في موازين القوة السياسية والاجتماعية.

السيادة والإعمار والاقتصاد أصبحت ملفًا واحدًا

لهذا يصعب فصل مستقبل الجنوب عن مستقبل الدولة اللبنانية نفسها.

الانسحاب الإسرائيلي يحتاج إلى ترتيبات أمنية. والترتيبات الأمنية تحتاج إلى جيش قادر على الانتشار. وحصر السلاح يحتاج إلى تفاهم سياسي داخلي. وإعادة السكان تحتاج إلى إعمار وخدمات. والإعمار يحتاج إلى تمويل وإصلاحات وثقة دولية.

وأي تعطل في حلقة واحدة يعطل الحلقات الأخرى.

ما الذي يجب مراقبته في الأسابيع المقبلة؟

هناك خمسة مؤشرات ستحدد اتجاه الملف اللبناني قبل نهاية 2026: ما إذا كانت جولة روما تحقق جدولًا واضحًا للانسحاب؛ وما إذا كانت العمليات الإسرائيلية اليومية تتراجع فعليًا؛ وما إذا كان الحوار حول حصر السلاح ينتقل من المواقف العامة إلى آلية تنفيذ؛ وكيف ستُدار مرحلة ما بعد اليونيفيل؛ وأخيرًا ما إذا كانت إصلاحات المصارف والمالية تفتح الباب أمام اتفاق جديد مع صندوق النقد وتمويل فعلي لإعادة الإعمار.

المشكلة اللبنانية اليوم أن هذه الملفات لا تتحرك بسرعات متساوية. الدمار يتراكم بسرعة، فيما الإصلاحات والدبلوماسية وإعادة الإعمار تتحرك ببطء. وهذه الفجوة هي التحدي الأكبر أمام الدولة خلال ما تبقى من 2026.

المصادر

قيم هذا المقال | Rate this post

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى