النفط فوق 108 دولارات والذهب يهبط بقوة.. ماذا يحدث في الأسواق؟

النفط فوق 108 دولارات يعيد رسم خريطة الأسواق العالمية، بعدما قفز خام برنت بأكثر من 3% خلال تعاملات الاثنين، بالتزامن مع هبوط حاد في الذهب وتراجع العقود الأميركية، بينما يقترب الاحتياطي الفيدرالي من قرار فائدة قد يكون الأكثر حساسية للأسواق منذ أشهر.
وأظهرت أحدث بيانات السوق ارتفاع خام برنت إلى نحو 108.45 دولار للبرميل، بمكاسب 3.67%، بينما صعد خام غرب تكساس الوسيط إلى نحو 103.42 دولار، في وقت هبطت فيه العقود الآجلة للذهب إلى نحو 4,316 دولارًا للأونصة.
وتزامنت هذه التحركات مع ضغوط على وول ستريت، حيث تراجعت العقود الآجلة لمؤشر S&P 500 بنحو 0.69%، وهبطت عقود ناسداك 100 بنحو 1.18%، بينما انخفضت عقود داو جونز بنحو 0.39%.
النفط فوق 108 دولارات يشعل مخاوف التضخم
تأتي القفزة الجديدة بعد موجة ارتفاعات متسارعة دفعت أسعار النفط خلال فترة قصيرة من مستويات دون 100 دولار إلى منطقة سعرية أصبحت أكثر خطورة على الاقتصاد العالمي.
وكان Profile News قد تابع سابقًا انتقال النفط فوق مستوى 90 دولارًا للبرميل، قبل أن تتسارع المكاسب مع تصاعد المخاطر التي تهدد إمدادات الطاقة في الشرق الأوسط.
ولا تكمن المشكلة في سعر النفط وحده، إذ إن استمرار الخام فوق 100 دولار يرفع تكاليف الوقود والنقل والشحن والإنتاج، ويمكن أن تنتقل هذه الزيادات تدريجيًا إلى أسعار السلع والخدمات، ما يعيد إشعال التضخم في وقت تحاول فيه البنوك المركزية احتواء الضغوط السعرية.
مضيق هرمز وإمدادات الخليج يعودان إلى الواجهة
تقف المخاطر الجيوسياسية في قلب التحرك الجديد للنفط، مع استمرار القلق بشأن طرق تصدير الطاقة من الخليج واضطراب حركة الشحن، إلى جانب التطورات التي طالت البنية التحتية للطاقة في المنطقة.
وتزداد أهمية هذه المخاطر مع استمرار الأزمة التي تناولها Profile News في تقرير سابق حول التصعيد المرتبط بمضيق هرمز وإيران والولايات المتحدة، إذ بات المستثمرون يراقبون ليس فقط كمية النفط المتاحة، بل أيضًا قدرة المنتجين على نقله بأمان إلى الأسواق العالمية.
وتشير التطورات الأخيرة إلى تعرض خط أنابيب النفط السعودي شرق-غرب لضربة أدت إلى توقف مؤقت، وهو مسار استراتيجي يمثل بديلًا مهمًا لمضيق هرمز ويمكنه نقل ملايين البراميل يوميًا، ما أضاف علاوة مخاطر جديدة إلى أسعار الخام.
الفيدرالي يقترب من رفع الفائدة
قفزة النفط تأتي في توقيت بالغ الحساسية، قبل اجتماع الاحتياطي الفيدرالي يومي 15 و16 سبتمبر، وسط تحول كبير في توقعات السياسة النقدية الأميركية.
وتسعّر الأسواق حاليًا احتمالًا يقترب من 90% لرفع الفائدة الأميركية بمقدار 25 نقطة أساس يوم الأربعاء، بعد بيانات التضخم الأخيرة وعودة أسعار الطاقة إلى الارتفاع.
كما تحولت توقعات عدد من البنوك العالمية الكبرى، ومن بينها Goldman Sachs وJ.P. Morgan وHSBC وDeutsche Bank، نحو توقع رفع الفائدة في الاجتماع المقبل، بعدما كانت التقديرات السابقة تميل بدرجة أكبر إلى تثبيت السياسة النقدية.
ويعني رفع ربع نقطة أن نطاق الفائدة المستهدف قد ينتقل من 3.50%-3.75% إلى 3.75%-4.00%، لكن الأسواق ستكون أكثر اهتمامًا بما سيقوله الفيدرالي بشأن التحركات التالية.
عائد السندات الأميركية يخترق 5%
جاءت إحدى أقوى إشارات القلق من سوق السندات، حيث تجاوز عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات مستوى 5% خلال تعاملات الاثنين، مسجلًا أعلى مستوياته منذ أكتوبر 2023.
ووصل العائد إلى نحو 5.004%، مع تسعير المستثمرين احتمالات بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول لمواجهة التضخم.
ويشكل حاجز 5% تحديًا مباشرًا للأسهم، لأن ارتفاع عوائد السندات يزيد جاذبية أدوات الدخل الثابت ويرفع في الوقت نفسه تكلفة الاقتراض والتمويل بالنسبة للشركات والأسر.
ناسداك يقود خسائر وول ستريت
انعكست هذه المخاوف بوضوح على الأسهم الأميركية، خصوصًا قطاع التكنولوجيا. وأظهرت التعاملات تراجع ناسداك بصورة أكبر من داو جونز وS&P 500، مع تعرض أسهم التكنولوجيا والرقائق لضغوط بيع.
وبحسب تحركات السوق، تراجع S&P 500 بنحو 0.6%، بينما تجاوز انخفاض ناسداك 1%، في حين كان هبوط داو جونز أكثر محدودية.
ولا يرتبط الضغط بالفائدة والنفط فقط، إذ تعرضت أسهم مرتبطة بالذكاء الاصطناعي والرقائق لموجة بيع إضافية، ما جعل التكنولوجيا الحلقة الأضعف في جلسة الاثنين.
لماذا يهبط الذهب رغم التوترات؟
المفارقة الأخرى في الأسواق هي هبوط الذهب رغم تصاعد المخاطر الجيوسياسية. فقد تراجعت العقود الآجلة للمعدن الأصفر بأكثر من 2% إلى نحو 4,316 دولارًا للأونصة في أحدث البيانات.
ويرجع جزء من الضغط إلى ارتفاع الدولار وعوائد السندات الأميركية. فالدولار استفاد من تدفقات الملاذ الآمن وتوقعات رفع الفائدة، بينما تجعل العوائد المرتفعة الاحتفاظ بالذهب، الذي لا يقدم عائدًا دوريًا، أقل جاذبية نسبيًا.
ويأتي التراجع بعد التحركات القوية التي شهدها المعدن خلال الفترة الماضية، والتي ناقشها Profile News في تقرير حول الذهب ومستوى 4500 دولار للأونصة.
الدولار يستفيد من عاصفة الأسواق
في المقابل، ارتفع الدولار الأميركي أمام العملات الرئيسية، مدعومًا بعاملين في الوقت نفسه: الطلب على الملاذات الآمنة مع تصاعد التوترات، وتزايد التوقعات بأن الفيدرالي سيعيد رفع أسعار الفائدة.
وصعد مؤشر الدولار إلى أعلى مستوى له في نحو أسبوعين، بينما تعرض اليورو والجنيه الإسترليني للضغط، ما يعكس انتقال مخاوف المستثمرين من سوق الطاقة إلى العملات والسندات والأسهم.
ماذا ينتظر الأسواق الآن؟
الساعات المقبلة ستكون شديدة الحساسية. استمرار النفط فوق 108 دولارات أو تحرك برنت باتجاه 110 دولارات قد يزيد مخاوف التضخم، بينما يشكل استمرار عائد السندات الأميركية فوق 5% عامل ضغط إضافيًا على تقييمات الأسهم.
لكن الاختبار الأكبر سيأتي يوم الأربعاء مع قرار الاحتياطي الفيدرالي. رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس أصبح السيناريو المرجح بقوة، إلا أن المستثمرين سيركزون على توقعات أعضاء الفيدرالي ومسار الفائدة خلال الأشهر المقبلة.
وبذلك تدخل الأسواق العالمية مرحلة تجمع ثلاثة مصادر للضغط في وقت واحد: نفط فوق 108 دولارات، عائد سندات عند 5%، واحتمال يقارب 90% لرفع الفائدة الأميركية. ومع هبوط الذهب وأسهم التكنولوجيا وصعود الدولار، قد يكون قرار الفيدرالي المقبل نقطة فاصلة في تحديد اتجاه الأسواق لبقية سبتمبر.
المصادر
رويترز – الدولار والنفط وتحركات الأسواق قبل اجتماع الفيدرالي
رويترز – تراجع وول ستريت وناسداك وضغوط أسهم التكنولوجيا
رويترز – عائد سندات الخزانة الأميركية لعشر سنوات يتجاوز 5%
رويترز – البنوك العالمية وتوقعات رفع الفائدة الأميركية








